الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله محمد بن
عبد الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فقد سئل فضيلة الدكتور أحمد معبد عبد الكريم عضو هيئة كبار علماء الأزهر، وأستاذ الحديث فيه ـ وفقه الله لما يحبه ويرضاه ـ  عن حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؟ فأجاب بإجابة غير مؤصّلة، وبطريقة عشوائية، ولهجة عامّية، وتكّلم عن غيرها من المسائل المتعلقة بها، ووقع في أمور شنيعة، ما كان لمثله أن يقع فيها!
وباعتباره عضوا في هيئة كبار العلماء قد يؤخذ قوله بنوع من القبول؛ فوجب التنبيه على خطئه حتى لا يُغتر به؛ نصيحةً له وللمسلمين، ثم إني أرجو من الله عز وجل أن يرجع فضيلته عن قوله، ويعترف بخطئه، ويستغفر الله من زلزله، والله غفور رحيم، تواب حكيم، عفو كريم. سبحانه لا إله إلا هو، عليه توكلت، وإليه أنيب.
 ولولا أنه يتكلم باللهجة العامية لنقلت كلامه بحروفه، لكني سأكتفي بذكر معناه المطابق للفظه كما هو منشور على (https://www.youtube.com/watch?v=9Bc2GCb9ck0 ) .
وكلامه تضمن ثلاث قضايا تحتاج إلى بيان الحق فيها، والله وحده أسأل التوفيق والسداد.
القضية الأولى : صحّح الدكتور الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، واستشهد على ذلك بأمرين:
أحدهما: صحّة الصلاة في مسجد المدينة مع وجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وهي شبهة قلّد فيها غيره، ولو سلك سبيل العلم لعلم أن الاستدلال باطل ، كما سيأتي بيانه ـ إن شاء الله ـ؛ ولهذا لا يوجد في كلام العلماء المعتبرين من أهل الفقه والحديث وغيرهم الاستدلالُ بهذا على صحة الصلاة في المسجد الذي فيه قبر أو قبور، مع وجود الاختلاف بينهم في حكم صلاة من صلّى فيه.
والآخر: ما شاهده في بلاد المغرب من كونهم يصلون في مساجد فيها قبور، وليس بينها وبين المصلين حاجز، ومنها قبر العالم المعروف أبي بكر بن العربي صاحب عارضة الأحوذي.
وهذا الأخير إن أراد به الاستدلال بعمل أهل المغرب وخصوصا أهل طنجة فقد أحدث دليلا لم يقل به أحد من الأولين أو الآخرين! فلم يذكر أحد من العلماء كون عملِ أهلِ مصرٍ يعدّ حجة، إلا عمل أهل المدينة النقلي في عهد الخلفاء الراشدين، أو إلى ما بعد مقتل عثمان رضي الله عنه فحكي الاتفاق على الاحتجاج به، وما الاجتهادي ففيه نزاع، والجمهور على عدم اعتباره حجة، ومن قال بحجيته قيّده بعصر الصحابة والتابعين وأتباعهم.
فهل طنجة أو المغرب من الأمصار التي يحتج بعمل أهلها؟! ولو كان يحتج به فهل يصح الاحتجاج بعد القرون المفضّلة؟! وهذا على فرض أن الدكتور علم علما يقينيا أن جمهور من يعتدّ بهم من أهلها على هذا! والذي في كلامه أنه زار طنجة فرآهم!!  
وإن أراد الدكتور الاستئناس لصحة فتواه بعمل أهل المغرب فيقال له: أنت ومن فعل ذلك أو قال به من أهل المغرب أو غيرهم مطالب بالدليل؛ لأن مبنى الشريعة على الدليل، وليس على تصرفات الناس وأفعالهم وأهوائهم بإجماع العلماء، وليس عندك ولا عندهم دليل صحيح، بل الدليل على خلاف ذلك، وهو ما ثبت من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن اتخاذ القبور مساجد! فكان من الواجب عليك إنكار فعلهم وليس الاستشهاد به!
ثم إنه استشهد بعمل طائفة من أهل المغرب في مكانٍ معيّن، ولم يذكر من أنكر ذلك من علماء المغرب، ولا من غيرهم!
ثم أعود إلى الأمر الأول ، وهو الاستدلال بصحة الصلاة في مسجد المدينة مع وجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ولا أظن الجواب عنه خافيا؛ فإن العلماء قد أجابوا عن ذلك حين اشتبه الأمر على طائفة، وحين أرادت طائفة ممن فُتنوا بالقبور أن تزكّي صنيعها فجاءت بهذه الشبهة.
ولأن هذا الدليل هو أكبر دليل يستدل به المتأخرون على صحة الصلاة في المساجد التي فيها قبور؛ فسأبيّن للقارئ الكريم عدم صحة الاستدلال به بنوعٍ من التفصيل الموجز.
وقبل الجواب عن هذه الشبهة لا بد من ذكر مقدّمة مختصرة توضّح صلة حجرة عائشة رضي الله عنها التي فيها القبر بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
فأقول ـ مستعينا بالله ـ :  كانت بيوت النبي صلى الله عليه وسلم حول مسجده، ومنها بيت عائشة رضي الله عنها، وهو في الجهة الشرقية للمسجد، وكان بينه وبين المسجد جدار، ولم يكن شيء منه داخلا في المسجد، وكان ذلك مدة حياته ـ صلى الله عليه وسلم، فلما توفاه الله دفن في هذا البيت بيتِ عائشة رضي الله عنها، واستمر الأمر كذلك في خلافة الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنها، فلما مات دفن إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم.  
وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسّع المسجد من جهة القبلة وهي الجهة الجنوبية، فلما مات دفن إلى جوار  صاحبيه، ثم وسّعه الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه من القبلة والغرب، ولم يوسّعاه رضي الله عنهما من الجهة الشرقية التي فيها حجرة عائشة رضي الله عنها.
وفي عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك رحمه الله وسّع المسجد من الجهات الشرقية والغربية والشمالية، فصارت حجرة عائشة محدودة بالمسجد من جوانبه الثلاثة الجنوبي والغربي والشمالي، وبُنى على الحجرة حائط خماسي أو ثلاثي بارتفاع نحو من ستة أمتار، ومُدّ ضلعاه إلى جهة الشمال على شكل مثلث متطابق الأضلاع ليلتقيا في الجهة الشمالية، وهذا الفعل كما ذكر العلماء لأمرين، أحدهما: المنع من استقبال القبر، والثاني: عدم تشبيهه بالكعبة في تربيعتها .
وفي عهد السلطان المملوكي قايتباي رحمه الله تم إدخال الجدار الشرقي للحجرة، وبه صارت الحجرة بكامل جدرانها في المسجد، ثم في عهد السلطان العثماني عبد المجيد الثاني رحمه الله زاد التوسعة من المشرق ، وهذه التوسعة عبارة عن الممرّ الذي بين جدار الحجرة والجدار الشرقي للمسجد، وقد وضعت فيه الدولة السعودية ـ زادها الله توفيقا وسدادا ـ حواجز حتى لا يطوف الجهال وأهل الأهواء بالحجرة.
ومما تقدم يتبيّن أن إدخال الحجرة في المسجد من فعل الوليد بن عبد الملك ومن بعده، وهو مخالف للسنة، ولهذا لما قال لأبان بن عثمان رحمه الله بعد انتهاء المسجد: (بنيناه أحسن من بنائكم) قال له أبان : ( بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس).
وأقرب شيء في تفسير صنيعه أنه أدخلها فيما يراه حاجةً دون مشورة من أهل العلم، وإن كان الناس اختلفوا هل الحجرة بصنيعه هذا دخلت في المسجد أولا؟ وأما بعد توسعة السلطان قايتباي فلا شك في دخولها.
وبعد هذه الخلاصة نرجع إلى الجواب عن الشبهة فأقول: هذه الشبهة مركبة من أمرين:  
أحدهما : مشروعية الصلاة في مسجد المدينة مع وجود القبر.
والآخر: أنه إذا صح ذلك في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم صح في غيره من المساجد.
أما الأمر الأول فجوابه في الآتي: 
أولا: لا ريب أن الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم مشروعة لما رواه الشيخان عن أبي هريرة  رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد الأقصى)  ولما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في مسجدي هذا: أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام).
وفي صحيح مسلم عن ميمونة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( صلاة فيه ـ أي مسجد المدينة ـ أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة) .
وما تضمنته هذه الأحاديث من المشروعية والفضيلة ثابتة له إلى يوم القيامة، فدخل فيها ما كان قبل إدخال القبر وما كان بعده، ولا يجوز إلغاء ما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بدليل صحيح.
ثانيا: ولا ريب كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي  صلى الله عليه وسلم: ( قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وفي رواية ( لعن الله اليهود والنصارى )، وفي الصحيحين كذلك مثله من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم، وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ( وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك).
ثالثا: هذه المسألة يتعلق النظر بها من جهتين: من جهة الحكم التكليفي، ومن جهةٍ الحكم الوضعي.
أما التكليفي فمتعلق بأمرين، أحدهما: حرمة بناء المساجد على القبور، أو الدفن في المساجد، أو إدخال القبور في المساجد،  وقد اتفق العلماء على ذلك، وأن أيَّهما كان الأسبق فالحكم له، فينبش القبر إن كان المسجد هو الأول، ويهدم المسجد إن كان القبر هو الأول. وهذا في عموم المساجد، ومنها مسجده عليه الصلاة والسلام، إلا ما يختص بنبش القبر، وعليه ففعل الوليد ومن تبعه بإدخال القبر في المسجد محرّم.
والآخر: حرمة الصلاة في المساجد التي فيها قبور؛ لأنه من اتخاذ القبور مساجد، وهو منهي عنه.
وأما الحكم الوضعي، وهو المتعلق بصحة الصلاة أو فسادها، فمن العلماء من يرى صحة الصلاة في المسجد الذي فيه قبر مع النهي عن الفعل، ومنهم من يرى بطلانها، وهي مسألة خلافية قديمة، لها بناؤها الأصولي والتعليلي، والأدلة تشهد لقول من قال ببطلانها، وعلى كلا القولين فالصلاة في مسجد المدينة مشروعة، والإجماع منعقد على ذلك.  
والقائل ببطلان الصلاة فقهاء معتبرون من المتقدمين والمتأخرين، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن باز والألباني وابن عثيمين وغيرهم، وليس القائل ببطلانها ممن لايعتبر قوله، كما يظهر من سياق كلام الدكتور وإن لم يصرح به، بل كأنه يناقش شبابا يجهّلهم، ويتحدّاهم بإبطال صلاة المسلمين في المسجد النبوي!!
وأقول للدكتور: إذا جهلت فلا تتجرّأ، وإذا علمت فلا تتحجّر، والدليل الصحيح هو سيّد الموقف، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وحق العالم الاعتذار وليس التعذيل، والله يعلم ما في القلوب، وهو علاّم الغيوب.
تنبيهان: الكلام هنا ليس المراد منه بيان حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، ولكن بيان عدم صحة الاستدلال بمسجده صلى الله عليه وسلم على صحة الصلاة فيه.
ثمة فرق بين الصلاة في المسجد الذي فيه قبر أو قبور، والصلاة في مكان ليس بمسجد فيه قبر أو قبور، ومن لم يتنبّه لهذا في كلام الفقهاء أخطأ فيما ينسبه إليهم، ومن ذلك ما ذكره بعضهم من أن القول ببطلان الصلاة في المسجد الذي فيه قبر لم يقل به أحد من المذاهب الأربعة المعتبرة!   
رابعا: إذا كانت الفضيلة والمشروعية ثابتتين للمسجد النبوي مع وجود القبر بالإجماع، فكيف يوفّق بين هذا وبين نهيه عليه الصلاة والسلام عن اتخاذ القبور مساجد؟
والجواب أن هذا الإجماع على جواز الصلاة في مسجده وصحتها مع وجود القبر لا يدل على جواز ذلك في غيره؛ لعموم الأدلة الدالة على التحريم والبطلان، ولا يجوز تخصيص شيء منها إلا بدليل.
وأما مسجده عليه الصلاة والسلام فقد خرج من هذا العموم بالإجماع، وغيره من المساجد باق على عموم النهي، وإنما خص مسجده من هذا العموم لأن النهي عن بناء المساجد على القبور والصلاة فيها من تحريم الوسائل؛ فإن هذا الفعل قد يكون ذريعة لعبادتها، كما هو موجود في كلام جماعة من أهل العلم، كالإمام الشافعي، والقدوري، والمهلب شارح البخاري، والقاضي عياض، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، والسيوطي، والشوكاني، والصنعاني. 
وما كان محرما تحريم وسائل جاز فعله للمصلحة الراجحة، وهذه قاعدة معروفة، ولها في الشريعة أمثلة، منها : أن النبي نهى عن الصلاة حين طلوع الشمس وحين غروبها، وعلّل ذلك بأنها تطلع بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، وجاءت السنة بالأمر بأداء صلاة الفريضة في هذا الوقت لمن نام عن الصلاة أو نسيها ونحو ذلك، وكذلك الصلوات ذوات الأسباب.
ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى بيع التمر بالتمر إلا يدا بيد، مثلا بمثل، ونهى عن بيع المزابنة، وفسرّه بأن يبيع ثمره حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا، وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام، ورخّص في العرايا بأن يباع الرطب الذي على رؤوس النخل بخرصه تمرا للحاجة.
ومنها أن النظر إلى المرأة الأجنبية محرم لكن أباحه النبي صلى الله عليه وسلم للخاطب؛ لوجود مصلحة راجحة وهي دوام النكاح.
خامسا: إن قال قائل: أليس من القواعد المقررة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وتحصيل فضيلة الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة فيقدم عليها درء المفسدة المترتبة على الصلاة في المسجد مع وجود القبر؟
فالجواب: أن هذه القاعدة لايتأتّى العمل بها هنا؛ لأن من شرط العمل بها :أن لا يترتب على درء المفسدة مفسدة أخرى، وأن لا يكون في الفعل مصلحة راجحة، وبيانه: أن الصلاة في مسجده عليه الصلاة والسلام صلاة في مسجد فيه قبر، وعموم الأدلة تنهى عن ذلك، غير أنه قابل ذلك أمران: تحقيق مصلحة راجحة، ودرء مفسدة، أما المصلحة فهي تحصيل فضيلة زائدة على الصلاة في المساجد الأخرى. وأما المفسدة فهجران مسجده عليه الصلاة والسلام الذي شُرع السفر إليه، وخص بفضيلة مضاعفة ثواب الصلاة فيه، وهذا حكم باق إلى يوم القيامة، ولا سيما إذا استصحبنا ما سبق ذكره من أن النهي عن بناء القبور على المساجد من باب المحرم لغيره؛ لكونه ذريعة إلى الإشراك بالله تعالى بالصلاة لأربابها، وعبادتهم من دون الله.
وبهذا يظهر وجه اختصاص المسجد النبوي بصحة الصلاة فيه مع وجود القبر، وأنه لا يصح إلحاق غيره به من عموم المساجد لوجود الفارق، وثبوت النهي.
وأما الجواب عن الأمر الثاني المتعلق بهذه الشبهة (وهو أنه إذا صح ذلك في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم صح في غيره) فهذا القياس جمع بين بطلان القياس وفساده، أما بطلان القياس فلعدم التساوي بين المقيس ( وهو عموم المساجد) والمقيس عليه (وهو مسجد المدينة)؛ وذلك أن فضل الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ـ كما صح بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وتقدّم إيضاحه، ومن أركان القياس الصحيح وجود الجامع بين المقيس والمقيس عليه، أو نفي الفارق بينهما على القول بأن مفهوم الموافقة قياس في معنى الأصل، وهو غير متحقق هنا.
فلايصح إلحاق عموم المساجد بمسجده عليه الصلاة والسلام من أجل الفضيلة التي خص بها، وهي تفضيل الصلاة فيه على غيره من المساجد إلا المسجد الحرام، وأما المساجد ـ سوى المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى ـ فأجر الصلاة فيها غير متفاضل، فإذا كان المسجد فيه قبر صلّى في غيره ولم يفته شيء من الأجر .
وأما فساده فلكونه مخالفا للأدلة الصريحة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وما كان هذا شأنه فهو فاسد الاعتبار. والله أعلم.
وبهذا يظهر فساد  الاستدلال بهذا الدليل على صحة الصلاة في المساجد التي توجد فيها قبور.
القضية الثانية: أن الدكتور ظنّ أن القول ببطلان صلاة من صلّى في المساجد التي توجد فيها القبور مبني على أنّ المصلّي  يكون بهذا الفعل مشركا! ثم دفع ذلك بأن المصلّي لم يقصد بصلاته صاحب القبر وإنما قصد صاحب القبلة، وبينهما فرق، وأتبع ذلك بأن الكفر عقيدة قلبية.
ومناقشة الدكتور في الآتي:
أولا: المذكور عند أهل العلم ـ كما تقدم ذكر بعضهم ـ أن الصلاة في هذه المساجد منهي عنها؛ لكونها ذريعة إلى الشرك، فتحريمها من تحريم الوسائل، وإذا كانت الوسيلة محرمة فالغاية أشد تحريما، وليس في كلامهم أنه شرك، وعليه فيلزمه أن يثبت ما قاله بنقل صحيح معتبر عن أهل العلم، وإلا كانت نسبة لا أساس لها، ومجرد توهّم لا حقيقة له، ولا أريد أن أقول الثالثة!!
ثانيا: أن النهي عن الصلاة في المساجد التي فيها قبور أو إلى القبور في حال ما كان المصلّي يتوجّه بصلاته إلى الله لا إلى صاحب القبر، وهو المعروف من كلام العلماء؛ ولهذا جعلوه من ذرائع الشرك، وأما إذا توجّه بصلاته إلى صاحب قبر، ولو لم يكن القبر في المسجد أو بين يديه، بل في أقصى الدنيا، فهو مشرك بالله؛ لأنه قصد بعبادته غير الله، وهذا إجماع من العلماء لا يختلفون فيه.
والفرق بينهما أن الأول جمع بين القبر والمسجد معا، وقصد بصلاته رب العالمين، وأما الآخر فقصد بصلاته غير الله وإن لم يكن في القبر مسجد، وترتيب الدكتور الحكم على الثاني دون الأوّل خلاف ما ذكره العلماء، كما أنّه تحكّم في الدليل بالرأي المجرّد، وإلغاء لما دلّ عليه الحديث بدون دليل؛ ولذلك هو مطالب بالإتيان بدليل من نصّ أو إجماع يدل على أن الصورة المنهي عنها في الحديث هي الثانية دون الأولى!    
ثالثا: ذكر الدكتور أن الكفر عقيدة قلبية، وهذه عقيدة الجهمية التي نخرت في الأشاعرة، وليست عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فإن الكفر عندهم كما يكون بالقلب يكون كذلك بالقول والعمل، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} [التوبة: 74] وقال سبحانه: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65، 66] وقال سبحانه: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [النحل: 106، 107] وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } [النمل: 14]
ونحن نسأل الدكتور: لو سبّ رجل الله عز وجلّ ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو يزعم الإسلام فما أنت قائل؟ وما رأيك برجل يزعم الإسلام وهو يسجد للأصنام والأوثان؟ وما رأيك في رجل حرّم حلالا مجمعا عليه بلسانه ولكن في قلبه يعتقد حلّه فهل هو مسلم كما يزعم؟.
القضية الثالثة: زعم الدكتور أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر لا تدخل تحت نهيه صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد؛ معلّلا ذلك بأن القبر موجود والمصلّي يصلّي ويقصد صاحب القبلة!
وهذه المقالة تؤكّد بُعده عن هذه المسألة، وعدم معرفته بمناطها، وجوابه سبق في القضية الثانية، لكن أزيده إيضاحا في الآتي:
أولا: هذا التعليل الذي ذكره ليس في الحديث، ولم يستدلّ له؛ فهو مجرد دعوى ليس عليها بيّنة! ولو سوّغنا لكل أحد أن يقول في الحديث برأيه دون بيّنة لقال من شاء ما شاء، وتعطّلت السنن، ورُدّ على النبي صلى الله عليه سلم أمره! ولكن أقول كما قال الأول: ما هكذا تُورد الإبل يا سعد.
ثانيا: زعمه أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر لا تدخل تحت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد مخالف لعموم الحديث، وإخراج أحد أفراد العام من شمول عموم اللفظ له يفتقر إلى الدليل، ولم تذكر دليلا على هذا! وبيان ذلك أن المساجد جمع مسجد، وهو لفظ يطلق على: مسجد الجماعة، وهو المسجد المبني لإقامة الصلاة فيه، وعلى موضع السجود، وعلى المكان الذي يسجد فيه وإن لم يكن مبنيا للصلاة، وعلى أعضاء السجود، وعلى السجود نفسه، أي أن الله هو المستحق للسجود، وهذا أمر في غاية الوضوح من حيث الدلالة الشرعية واللغوية، فإذا أخرجت واحدا منها بغير دليل أو قرينة سياق أو حال فقد تحكّمت في الدليل.  
ثالثا: الذي يفهم من كلام الدكتور حصر الحديث في صورة واحدة وهي أن يقصد المصلّي بصلاته غير صاحب القبلة، أي أنه يصلّي لغير الله، وهذا باطل من القول، ليس عليه أثارة من علم، ويدفعه ما تقدم في ( ثانيا) كما ترده الأحاديث الصحاح، ففي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلوا إليها )، وفيه ـ أيضا ـ عن جابر رضي الله عنه  قال  : نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر ، وأن يقعد عليه ، وأن يبنى عليه. وفي الحديث المتفق عليه عن عائشة رضي الله عنها  أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور ،أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) .
فهذه الأحاديث فيها النهي عن الصلاة إلى القبر وليس له؛ فإن الصلاة له شرك بالله.
وفيها النهي عن البناء على القبر، وهو جعل البناء عليه، سواء بني عليه مسجد أو مشهد، كما يفعل الآن في بعض الدول الإسلامية مما هو مشاهد.
وفيها ذم النبي صلى الله عليه وسلم لما صنعه أهل الكتاب من بناء المساجد على القبور، وقد جاء كلامه عليه الصلاة والسلام في ذمّ الفعل وهو البناء والصلاة، ولم يتعرّض للتفصيل في مقصود المصلّي هل يقصد الله بصلاته أو يقصد صاحب القبر؛ فدلّ هذا على أن مجرد الفعل وهو بناء المسجد على القبر والصلاة فيه أمر منكر بقطع النظر عن مقصد صاحبه.
وهذا الحديث مع قوله عليه الصلاة والسلام : ( لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) يبيّن أن قصد القبور بالصلاة عندها موجب للعنة الله وغضبه، سواء كان هناك بناء أو لم يكن.     
وفيه ردّ على ما زعمه بعض المفتونين بالقبور من أن المقصود بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد هو الصلاة في القبر نفسه أو فوقه، فإن القبر كائن في جهة من الكنيسة، وليست الكنيسة هي القبر فقط.
وفي ختام هذا المقال أقول لفضيلته:  
1ـ أدعوك للتأمّل في هذه المسألة، وإعادة النظر فيها بكل تجرد وإخلاص، مع سؤال الله تعالى الهداية لما اختلف فيه؛ فإنه سبحانه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
2ـ كما أدعوك إلى ترك الانقياد للمخرّفين والمتصوفة تعظيما لما تنتمي إليه، وهو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، أفهم خير أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ولقد راعني، وأصابتني وحشة شديدة، وأشفقت عليك حين رأيتك تتمايل معهم وهم يرددون قصيدة البوصيري مع ما اشتملت عليه من بدع شركية، وضلالات جاهلية، وغلو فاحش في مقام النبوة؛ حتى وصفه في بعض أبياته بما لا يصح أن يوصف به إلا رب العالمين، كما هو موجود على (اليوتيوب)، وزادني الأمر أسفا وحزنا أن هذا المجلس عقد لختم كتاب سنة واتباع وهو ثلاثيات الإمام البخاري، وختم كتاب بدعة وضلالة وهو بردة البوصيري!! مصيبة عظيمة، فإن لله وإنّا إليه راجعون.
3ـ كما أدعوك إلى الكفّ عن الوقيعة في علماء أهل السنة والجماعة، واتهامهم في نياتهم، كما جرى ذلك منك في حق الإمام الكبير سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والعلاّمة الشهير والمحدث الكبير الشيخ عبد الرحمن المعلّمي، والعالم الداعية إلى السنة ونبذ الخرافة والبدعة الشيخ محمد حامد الفقي، رحمهم الله وأسكنهم الفردوس الأعلى.
وأذكرك بأن قبول الحق واجب؛ فتبرّأ إلى الله من هذه البدع، ولا تستنكف عن قبول الحق،  واستعدّ للقاء الله، فإن الأجل قريب، والوقوف بين يدي الله أمر عظيم، والأعمال بالخواتيم.
 أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يختم لي ولك بالحسنى، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يتوفانا على الإسلام والسّنة، غير خزايا ولا نادمين، إنه وليّ ذلك وهو القادر عليه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه/ عبد العزيز بن محمد السعيد
عصر الخميس 21/ 11/ 1442هـ
 
جديد المكتبة الرقمية