الرّدّ على من زعم أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيٌّ في قبره، ويُطلب الاستغفار منه بعد مماته.

الرّدّ على من زعم أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيٌّ في قبره، ويُطلب الاستغفار منه بعد مماته.

الرّدّ على من زعم أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيٌّ في قبره، 
ويُطلب الاستغفار منه بعد مماته.
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على خير خلقه نبينا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه.
أما بعد فقد نشرت صحيفة المدينة في عددها الصادر يوم الاثنين الموافق للعشرين من ذي الحجة لعام 1441هـ مقالا بعنوان ( مندوب زيارته صلى الله عليه وسلم) بقلم أسامة حمزة عجلان، وهو مقال ركيك في أسلوبه ولغته، غير مترابط في جُمله، ضعيف في مضمونه، مع ما اشتمل عليه من مخالفة للأدلة الشرعية، ولا سيما فيما يتعلق برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  وليس هو متعلقا بالزيارة ـ كما يوهمه العنوان ـ ولكنّه كان أبعد من ذلك؛ إذ ذكر فيه ما حذر منه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الغلوّ في جنابه الكريم.
ولو أنّ الكاتب لم ينشره في صحيفة سيّارة لم يكن هذا الردّ، ولكن حيث نشره ووقفت عليه، كان من الواجب النصح له ولغيره؛ رجاء رجوعه للحق، ودفعا لما ذكره من هذه المغالطات، لاسيما وأنها جاءت معلّلة بقصد تعظيم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومحبّته.
وقبل بيان هذه الأخطاء أقدم بهذه المقدمات:
1ـ أجمع أهل العلم على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من البشر، خُلق مما خُلقوا منه، ويعتريه ما يعتريهم من الحاجة إلى الطعام والشراب، ويصيبه ما يصيبهم من المرض والموت، إلى غير ذلك من العوارض البشرية، ووصفه بالبشرية هو وإخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مذكور في القرآن العزيز، والسنة النبوية، فمن ذلك قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }وقوله جل شأنه:{ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } [الأنبياء: 7، 8] وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] وقوله تعالى حكاية على المشركين ولم ينكره عليهم : {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } [المؤمنون: 33]وقوله: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] وقوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُم} [آل عمران: 144]، وفي صحيح مسلم قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ : (ألا أيُّها الناس، إنما أنا بشر، يُوشِكُ أن يأتيَ رسولُ ربي فأُجيبَ) وفي الصحيحين قوله: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) وفي صحيح مسلم: (إنما أنا بشر، أرضَى كما يَرْضَى البشر، وأغْضَبُ كما يغضب البشر) .
2ـ اصطفى الله أنبياءه ورسله من الناس، وفضّلهم بالوحي والرسالة، وجعل لهم من الخصائص ما ليس لسواهم من البشر، وفي مقدمتهم الرسول ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ قال الله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج: 75] وقال: { قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}[إبراهيم: 11] وقال سبحانه :{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110] وقال عزّ شأنه: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا } [الإسراء: 93].
3ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (التوسل والوسيلة ص5): ( وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاهاً عند الله، لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته).
4ـ محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتوقيره، وتعظيمة، أصل في الإيمان به، ومن مقتضيات الشهادة له بالرسالة، كما قال تعالى: { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] وفي الصحيحين أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا يُؤمن أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه مِنْ والده وولدِهِ والنَّاس أجمعين) .
5ـ لمّا كانت محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتعظيمه دينا وقربة، وجب في ذلك ثلاثة أمور:
أحدها: الإخلاص لله في ذلك.
وثانيها: كون المحبة والتعظيم على وفق ما جاء به ـ عليه الصلاة والسلام ـ بحيث نحبّه ونعظّمه، كما شرع لنا، وليس كما نرى!.
وثالثها: ظهور أثر هذه المحبة والتعظيم على المكلّف؛ بطاعته، والاقتداء به في هديه وسمته، والتحاكم إليه، وتقديم ما يحبّه، وعدم التقدّم عليه.  
فمن عرف هذه المقدّمات، وعمل بها، أنزل النبي الكريم المنزلة التي ارتضاها الله له، ورضيها لنفسه؛ فلم يكن جافيا عنه، ولا غاليا فيه، بأبي هو وأمي ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ .
وإنما قدّمت بهذه المقدّمة لأنّ الكاتب وأمثاله إنما غلطوا حين لم يعرفوا هذا، فأردت توضيحه بهذه الصورة المختصرة؛ رجاء أن يستفيد منه الكاتب وغيره.
وأما ما يتعلق ببعض الأخطاء التي وقع فيها الكاتب فهي:
1ـ زعم الكاتب أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حي يرزق في قبره جسدا وروحا؛ لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، والأنبياء أفضل من الشهداء فهم أولى بذلك، ولا سيما المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
والكلام على هذا من وجوه:
الوجه الأول: من المقرر عند العلماء قاطبة أن حياة البرزخ من عالم الغيب الذي يفتقر الكلام فيه إلى الدليل السمعي ( الكتاب والسنة)، ولا مجال للرأي والعقل في ذلك؛ وعليه فكل من قال قولا في هذه الحياة البرزخية وجب عليه أن يثبت ذلك بالدليل الصحيح الصريح، وإلا كان قائلا على الله بلا علم. 
الوجه الثاني: لا شك أن حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في البرزخ أفضل من حياة الشهداء، لكن لا يعني ذلك ما ذكره الكاتب، وذلك أن حياة الشهداء جاء بيانها فيما رواه مسلم في صحيحه عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ .
وأما حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالله أعلم بكيفيتها؛ لأنه لم يثبت في ذلك شيء، وقد قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولً} [الإسراء: 36].
لكن روحه ـ عليه الصلاة والسلام ـ في أعلى علّيين، وليست متصلة بجسده على الدوام بدلالة حديث أبي هريرة الذي خرجه أحمد وأبو داود أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ) فردّ الروح إليه عند السلام عليه يقتضي أنها مفارقة للجسد في غير هذه الحالة، والله أعلم.
 الوجه الثالث: إن كان الكاتب يريد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حي روحا وجسدا ، كما كان في حياته الدنيا ـ وهو ما يشعره كلامه بعدُ ـ فهو باطل قطعا، والأدلة تردّه، ومنها أن الله أخبر عن موته عليه الصلاة والسلام، كما تقدم، وهو مؤكّد بقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [الرحمن: 26]  وقوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] فياليت الكاتب ـ هداه الله ـ يعي ما يقول حتى لا يردّ كتاب الله!!
ومنها أن الصحابة رضوان الله عليهم أخبروا عن موته، وما حلّ به من سكراته، وغسلوه، وكفّنوه، وصلّوا عليه، ودفنوه، واستخلفوا بعده أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ولو كان حيًّا بروحه وجسده كحياته في الدنيا فهل سيفعلون ذلك؟ فياليت الكاتب ـ هداه الله ـ يعي ما يقول؛ حتى لا يردّ ما عُلم بالضرورة!
ولو كان حيًّا كما زعم الكاتب لما انقطع الوحي، ولما اختلف الصحابة في بعض السُّنن والأحكام؛ لأنه حيّ بين أظهرهم يسألونه! فهل كان الكاتب ـ هداه الله ـ مدركا لذلك؟!
والبراهين الدالة على بطلان قول الكاتب كثيرة، وفي المقابل لم يدل دليل صحيح على ما ذكره الكاتب، وكفى بهذا ردّا لقيله.
الوجه الرابع: الاستدلال بأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء على حياته صلى الله عليه وسلم في قبره غلط بيّن؛ فإنه لا تلازم بينهما؛ إذ بقاء الجسد لا يعني حياته كحياته في الدنيا، ثم لو كان الأمر كما زعم الكاتب لكان محتاجا إلى الأكل والشرب ونحوهما مما يقوم به البدن! ولكن من تجرّأ فتكلّم بغير علم فسيقع في مثل هذا وأشدّ!
2ـ قال الكاتب: ( وأقلّ ما في زيارته ـ صلى الله عليه وسلم ـ والوقوف للصلاة والسلام عليه في المقام الشريف أنه يردّ السلام مباشرة على المسلّم عليه...)
والكلام على هذا من وجوه:
الوجه الأول: الزيارة بغير شدّ رحل جائزة إذا كانت على الوجه المشروع، وهو السلام على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غير أن يُتمسح بقبره، أو يُستغاث به، أو يُسأل قضاء الحوائج، ونحو ذلك من البدع والشركيات، التي قد تصدر من بعض الجهلة.
الوجه الثاني: تخصيص الكاتب لردّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ السلامَ على من كان في تلك البقعة، غير مُسَلّم؛ لأن الحديث  المتقدّم (مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ) عام في كل أحد يسلّم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سواء أكان في تلك البقعة أم في أقصى الأرض، فتخصيص الكاتب ردّ السلام بهذه البقعة تحكّم في الدليل بغير دليل، وهذا من جهل الكاتب بدلالات الألفاظ، وأصول الاستنباط.
ومما يؤيد عدم صحة ماذكره الكاتب ما جاء في حديث أبي هريرة  ـ رضي الله عنه ـ مرفوعا : ( وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه أبو داود وأحمد، وكذا حديث زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ رحمه الله ـ أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه و سلم ، فيدخل فيها فيدعو، فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال: (لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإنّ تسليمكم يبلغني أينما كنتم) رواه أبو يعلى وابن أبي شيبة وغيرهما.
الوجه الثالث: أنّ قصد بقعة للتعبّد فيها دون أن يدلّ الدليل على خصوصيتها بدعة في الدين، وكل بدعة ضلالة، وعلى كلّ من زعم فضيلة أو خصيصة لبقعةٍ مّا أن يقيم الدليل على ذلك، وإلا فهو تشريع لم يأذن به الله، وقد قال تعالى: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّ} [الشورى: 21].    
3ـ قال الكاتب: ( وكثير من العلماء قال : إن طلب الاستغفار منه صلى الله عليه وسلّم لم يقتصر على حياته الدنيوية، بل يطلب ذلك منه صلى الله عليه وسلم في قبره الشريف).
والكلام على هذا من وجوه: 
الوجه الأول: هذا الكلام مبني على قوله السابق في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ روحا وجسدا، وهو قول باطل.
الوجه الثاني: أن كلامه هذا مناقض لكلامه السابق في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ فإن ظاهر كلامه هناك التسوية بين حياته في البرزخ وحياته في الدنيا، وهنا فرّق بينهما، وهذا سبيل كل من أعرض عن الأدلة أو تكلم بجهل فإنه يقع في التناقض بلا ريب.
الوجه الثالث: أن حديث أبي هريرة رضي الله المتقدم (مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ) يردّ هذه الدعوى؛ فإنّه خص ذلك بردّ السلام، وطلبُ الاستغفار منه زيادة على ذلك، ومن زاد شيئا طولب بدليله؛ لما تقدّم من أنّ مسائل البرزخ من الأمور السمعية المحضة.
الوجه الرابع: طلب الاستغفار من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حال حياته جائز بلا ريب،  وهذا كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } [النساء: 64] وكما ذكره الله عن إخوة يوسف ـ عليه السلام ـ  في قوله سبحانه: { قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (} [يوسف: 97، 98].
وثبت في الصحيحين في حديث طويل أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ أَن يُوسِّعَ على أُمَّتك). وفيه: (فقلت: استغفرْ لي يا رسولَ الله) ، وثبت فيهما أن أعرابيا سأله ـ وهو يخطب ـ أن يدعو الله لهم بنزول المطر، فدعا، ثم سأله الجمعة الأخرى ـ أن يدعو الله بإمساكه ففعل. وأيضا ثبت فيهما في قصة المخزومية التي سرقت قال أسامة بن زيد رضي الله عنه : (استَغفِرْ لي يا رسول الله)، وأيضا قال مثل ذلك حين قتل رجلا بعد ما قال: لا إله إلا الله، وروى عمر بن الخطاب ـ رضي الله ـ في قصة أويس القرني قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :(فإن استطعتَ أن يَسْتَغْفِر لَكَ فافعَلْ) فقال عمر  ـ رضي الله عنه ـ  لأويس: فاسْتَغْفِرْ لي، فاسْتَغْفَر له. وفي حديث عبد الله بن بسر أن أباه ـ رضي الله عنهما ـ قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ادْعُ الله لنا، فقال: (اللهم باركْ لهم فيما رَزَقْتهم، واغْفِر لهم وارْحَمْهم ) وحين ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قام عُكَّاشَة بن محصن ـ رضي الله عنه ـ فقال: (ادْعُ الله أن يجعلني منهم) وكلها في صحيح مسلم، وهناك أحاديث كثيرة في هذا المعنى.
وأما طلب الاستغفار منه  ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد وفاته فغير جائز؛ لأن الحياة البرزخية من عالم الغيب، وهي تختلف عن الحياة الدنيوية ـ عالم الشهادة ـ  في أحكامها وأحوالها شرعا وحسًّا، فطلب الاستغفار من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حال حياته طلب مأذون فيه شرعا بالأدلة السابقة وغيرها، وأما طلب الاستغفار منه بعد مماته فداخل تحت عموم الأدلة الدالة على تحريم دعاء غير الله، كقوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] وقوله: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ } [يونس: 106].  
واستدلال بعضهم على جواز طلب الاستغفار منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد وفاته بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } استدلال باطل، وحجة داحضة؛ فإن ( إذْ) ظرف لما مضى من الزمن، وليست لما يستقبل؛ فدلّ ذلك على أن هذا الاستغفار يطلب منه في حياته، وليس بعد وفاته، ثم إن المجيء يكون لعين الرجل وليس لقبره، وهذا هو المعهود، ولهذا لو قيل: جاء فلان إلى فلان لم يفهم منه مجيئه إلى قبره، بل المتبادر منه مجيئه إلى شخصه، فظهر منه أن هذا المجيء إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان حال حياته، ويؤيد هذا أنه لم ينقل عن الصحابة ولا التابعين ولا أتباعهم ولا الأئمة بعدهم سؤاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الاستغفار لهم، ولو كان خيرا لسبقونا إليه.
وقد حقق هذه المسألة من وجوه كثيرة العلاّمة محمد بشير السهسواني ـ رحمه الله ـ في مقدمة كتابه ( صيانة الإنسان عن وساوس الشيخ دحلان). 
وأخيرا أقول: هذه المقالة على قصرها حوت أغلاطا،  وفارقت الصواب، في أمور كثيرة، من أبرزها ما ذكرتُ، فعلى الكاتب والمسؤولين عن الصحيفة أن يتقوا الله، ولا ينشروا شيئا يتصل بالدين إلا ما كان موافقا لما عليه أهل السنة والجماعة، ودرج عليه السلف الصالح، وهو الذي تسير عليه هذه البلاد ـ حرسها الله ـ وعليهم أن يرجعوا إلى الجهة المختصة: دار الإفتاء وهيئة كبار العلماء، وما صدر عنها من فتاوى، وخاصة ما يتعلق بمسائل الاعتقاد؛ حذرا من الوقوع في البدع والشرك ووسائله.
هذا وأسأل الله أن يمنّ علينا بالإيمان والأمن، وأن يجمعنا على الحق، وأن يوفق ولاة أمرنا لما يحبه ويرضاه، وينصر بهم دينه، ويعلي بهم كلمته، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
كتبه / عبد العزيز بن محمد السعيد
22/ 12/ 1441هـ