إشكالية الدكتور أحمد البسام مع المؤرّخَين: ابن غنام، وابن بشر.

إشكالية الدكتور أحمد البسام مع المؤرّخَين: ابن غنام، وابن بشر.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
أما بعد فإنه بين الفينة والأخرى تظهر تصريحات للدكتور أحمد البسام ـ وفقه الله ـ حول تاريخي ابن غنام وابن بشر ـ رحمهما الله ـ وينسب إليهما المبالغة في وصف الحالة الدينية  في نجد قبل الدعوة الإصلاحية التي قام بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ  حين ذكرا انتشار الشرك والبدع ـ  ومع اعتقادي أنهما ليسا بمعصومين ـ إلا أني أرى الدكتور لم يصب فيما ذكره لعدة أسباب، منها : انكفاؤه على تاريخ نجد فقط، مع أن نجدا جزء من بلاد المسلمين، تتأثر بواقع المسلمين. وعدمُ إدراك الواقع العام للمسلمين في تلك الحقبة الزمنية التي يتحدث عنها، أدّى به إلى هذا الحكم  ـ غير المنصف ـ على التاريخَين والمؤرّخَين، ولو أنه تتبع التاريخ في تلك الحقبة وما قبلها، وما قاربها، سواء منه ما ذُكر على جهة السياق التاريخي المحض في كتب التواريخ أو التراجم ونحوها، أو كان على جهة النقد لأوضاع المسلمين الديني؛ لما تطرق إليه هذا الفهم من كلام المؤرّخَين: ابن غنام، وابن بشر.
فقد ذكر جملة من العلماء في أقطار مختلفة  ـ ممن عاصروا الإمام المجدّد أو عاشوا في وقت غير بعيد عنه ـ  ما ذكره ابن غنام وابن بشر، في حكاية ما آلت إليه حال المسلمين، بل أصرح من ذلك وأشدّ، وإليك بعضها:
1ـ قال العلاّمة منصور بن يونس البهوتي ، شيخ الحنابلة في مصر في وقته ، وعصره قريب من عصر الشيخ محمد  ( ت 1051 هـ ) في ( كشاف القناع 6 / 170 ) على قول صاحب الإقناع نقلا عن شيخ الإسلام ابن تيمية : ( قول القائل : "ما ثم إلا الله"  إن أراد ما يقوله أهل الاتحاد من أن ما ثم موجود إلا الله ، ويقولون : إن وجود الخالق هو وجود المخلوق، ويقولون : الخالق هو المخلوق ، والمخلوق هو الخالق ، والعبد هو الرب ، والرب هو العبد ، ونحو ذلك من المعاني التي قام الإجماع على بطلانها، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وكذلك الذين يقولون : إن الله تعالى بذاته في كل مكان ، ويجعلونه مختلطا بالمخلوقات يستتاب فإن تاب وإلا قتل ).  قال : ( وقد عمت البلوى بهذه الفرق ، وأفسدوا كثيرا من عقائد أهل التوحيد نسأل الله العفو والعافية) .
2ـ وقال علاّمة الشام محمد بن أحمد السفاريني (ت 1188 هـ) : ( فما بالك بعصرنا هذا الذي نحن فيه، وقد انطمست معالم الدين ، وطفئت إلا من بقايا حفظة الدين، فصارت السنة بدعة ، والبدعة شرعة ، والعبادة عادة) وذكر من صفة تلك الحال
ما يطول ذكره، فليراجعه من أرداد الاستزادة في كتابه (غذاء الألباب  2 / 314 ) ووصف تلك الحال في مقدمة شرحه لثلاثيات مسند الإمام أحمد ( 1 / 4 ـ 5) فقال: ( ولم يبق من آثار هذا البيان إلا حكايات تتزين بها الطروس، ككان وكان ، والعلم قد أفلت شموسه، وتقوضت محافله ودروسه ، وربعه المأهول أمسى خاليا ، وواديه المأنوس أضحى موحشا داويا، وغصنه الطيب غدا ذاويا ، وبرده القشيب صار باليا...) إلى آخر ما ذكره.
3ـ وقال العلاّمة الشهير محمد بن إسماعيل الصنعاني اليماني ( ت 1182هـ ) في مفتتح كتابه ( تطهير الاعتقاد ص48 ) : ( وبعد، فهذا تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد ، وجب عليّ تأليفه ، وتعين علي ترصيفه ؛ لما رأيته وعلمته يقينا من اتخاذ العبادِ الأندادَ ، في الأمصار والقرى وجميع البلاد : من اليمن والشام ومصر ونجد وتهامة ، وجميع ديار الإسلام ، وهو الاعتقاد في القبور ، وفي الأحياء ممن يدعي العلم بالمغيبات وهو من أهل الفجور، لا يحضر للمسلمين مسجدا ، ولا يرى لله راكعا ولا ساجدا ، ولا يعرف السنة ولا الكتاب ، ولا يهاب البعث ولا الحساب . فوجب عليّ أن أنكر ما أوجب الله إنكاره ، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب الله إظهاره ). ثم ذكر جملة مما يناقض التوحيد ويقدح في كماله الواجب مما عمّ وانتشر ثم قال : ( وهذا آخر ما أردناه مما أوردناه ؛ لماَّ عمت البلوى ، واتبعت الأهواء ، وأعرض العلماء عن النكير الذي يجب عليهم ، ومالوا إلى ما مالت العامة إليه، وصار المنكر معروفا والمعروف منكرا، ولم نجد من الأعيان ناهيا عن ذلك ولا زاجرا) .
4ـ وقال الشيخ حسين بن مهدي النعمي اليمني ( ت 1187هـ ) ـ في كتابه (معارج الألباب  2 / 622 ـ 623 )  بعد ما ذكر جملة من القوادح في الاعتقاد ـ : ( وبالجملة فأمر العامة في هذا النحو غريب بالنسبة إلى الإسلام ، كل من عرف الحقيقة ونظر ماصاروا عليه من ذلك وجد المضادة لله وتوحيده فاشية في كثير من أفعالهم وأقوالهم وتقلبهم وتصرفاتهم ... وهذا شيء لايختص به الواحد والاثنان ، ولاالبلدة والبلدتان ، ولاالقطر والقطرن ، بل عمّ أمرُ المشاهد وعقائد الأموات؛ حتى آل الأمر إلى أن جُني الشرك غضا طريا ).
هذا نزر يسير من توصيف العلماء لتلك الحال، فأين المبالغة حينئذ في كلام ابن غنام وابن بشر، لا سيما مع استصحاب أن بلاد نجد قبل الدعوة لم تكن من الحواضر العلمية كالشام أو مصر أو اليمن أو العراق؟! فإذا كان هذا الداء قد سرى في أقطار المسلمين قاطبة ـ وهي تتفوق على نجد في الناحية العلمية من قديم الدهر؛ فما الظن بنجد مع تخلفها العلمي وانتشار الجهل فيها قبل الدعوة التجديدية؟ فهل سيصف الدكتور هؤلاء العلماء بما وصف به المؤرّخَين؟ أو سيعيد النظر في رأيه الذي بناه على كلمات التقطها من التاريخين، ظانّا أنها تدعم ما ذكره؟
هذا أحد الأسباب  التي نشأ عنهاخطأ الدكتور، وثمة أسباب أخرى، غير أني ذكرت هذا السبب الذي أراه  أولى الأسباب بالذكر في هذه المقالة المختصرة، وأما الأسباب الأخرى فسأنشرها في مقال مطوّل ـ إن شاء الله ـ  أبيّن فيه خطأ الدكتور في هذا ـ ومن قبله أستاذه الذي قلّده في هذا الرأي، وهو الدكتور عبد الله العثيمين ـ رحمه الله ـ
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. 
كتبه/ عبد العزيز بن محمد السعيد
20/  9  / 1441هـ