الصيام والدعاء

الصيام والدعاء

الصيام والدعاء
الحمد لله حق حمده، وصلى الله وسلم على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وآله وصحبه.
أما بعد فإن الإنسان فقير إلى الله ، محتاج إلى فضله ، لا  يستغني عن خالقه طرفة عين في أحواله كلها ؛ ولهذا أمرنا سبحانه بدعائه  وسؤاله من خيري الدنيا والآخرة ، ووعدنا الإجابة ، ونهانا عن الاستنكاف والإعراض ، وتوعد على ذلك بالعذاب الشديد فقال سبحانه : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }، وكلما أكثر المؤمن من دعاء الله ازداد من الله قربا ، وأعظمَ الله له أجرا ،وكان من أحب عباده إليه ؛ ذلك أن الدعاء أصل العبادة ، بل هو العبادة نفسها ، لما فيه من التذلل لله وإجلاله ورجائه وخوفه وتعظيمه ومحبته وِالإنابة إليه ، وما انطوى عليه من الإقرار بربوبية الله ، وكمالِ حياته وقيوميته ، وعمومِ مشيئته ، وكمال إرادته وقدرته ، واتصافِه بصفات الكمال والجلال ، واليقينِ بقرب الرب من عبده، وعجِز العبد وافتقاره إلى ربه ،  روى الإمام أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  (إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ ثُمَّ قَرَأَ { وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } . و كان من سير الأنبياء والصلحاء دعاءُ الله والإلحاح عليه في ذلك كما هو مستفيض في الكتاب والسنة ؛ وقد قيل : ( لا يصلح الإلحاح على أحد إلا على الله عز وجل ) والله يحب الملحين في الدعاء وقال سبحانه : { وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}.
قال الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله : ( والدعاء خير كله، وعبادةٌ وحسنُ عملٍ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ) وقال التابعي الجليل يحيى بن أبي كثير رحمه الله : ( أفضل العبادة كلِها الدعاء ) وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول : (ما أخاف أن أُحرم الإجابة ولكني أخاف أن أحرم الدعاء )  وكان التابعي الجليل عروة بن الزبير رحمه الله يواظب على حزبه من الدعاء كما يواظب على حزبه من القرآن.
أخي الكريم: المؤمن يدعو ربه في الرخاء كما يدعوه في الشدة ، ويدعوه في السراء كما يدعوه في الضراء ؛ وذلك مما يجعل العبد قريبا من ربه ، ومما يقرب إجابة الله له ، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما ( تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) رواه أحمد والترمذي، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله مبينا المراد بهذه المعرفة : (وهي المعرفة الخاصة التي تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية، والانقطاعَ إليه والأنسَ به والطمأنينةَ بذكره والحياءَ منه والهيبةَ له) .
وبدعاء الله ترفع الدرجات ، وتحط الخطايا والسيئات ، وتغفر الذنوب ، وتفرج الهموم ، وتنشرح الصدور ، ويأنس العبد بربه، ويُفتح عليه من الخزائن مالم يكن له بحسبان .
وإذا ما نظرنا إلى الدعاء مع الصيام وجدنا أن الله تعالى قال: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] وسبقها جملة من أحكام الصيام، وجاء بعدها جملة من أحكام الصيام، فجاءت الآية بين آيات الصيام. ولبيان ذلك أقول: إن الدعاء على نوعين: دعاء المسألة، وهو التوجه إلى الله بالطلب منه كقول العبد: اللهم اغفر لي، اللهم ارزقني، والنوع الآخر: دعاء العبادة وهو الثناء على الله والتقرب إليه بما يحب كالتسبيح والتحميد والتهليل، وكالصلاة والزكاة والصيام والحج، وهذان النوعان ليسا بمتضادين بل هما متلازمان؛ فإن الذي يسأل ربه عابد له بسؤاله ورغبته ورجائه وخوفه وحسن الظن به.  والذي يعبد الله ويثني عليه هو في حقيقته سائل وإن لم يكن ذلك بلفظ السؤال؛ لأنه ما فعل ذلك إلا لطلب المغفرة والرحمة والعافية.
وإذا عُلم هذا فإن تفاسير أهل العلم لهذه الآية تدور على هذين النوعين، فقوله تعالى: { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} أي أثيبه على طاعته التي تَقرّب بها إلي، أو أعطيه إذا سألني. وهما تفسيران معروفان عند أهل العلم.
فعلى التفسير الأول يكون في الآية إشارة إلى أن الصائم يطلب بصيامه رحمة الله ومغفرته، وذلك موجب لقربه من ربه تعالى.  وعلى التفسير الآخر يكون في الآية ( إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الصَّائِمَ مَرْجُوُّ الْإِجَابَةِ، وَإِلَى أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَرْجُوَّةٌ دَعَوَاتُهُ)[1]) 
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله على قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} :(وَفِي ذِكْرِهِ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ الْبَاعِثَةَ عَلَى الدُّعَاءِ، مُتَخَلِّلَةً بَيْنَ أَحْكَامِ الصِّيَامِ، إِرْشَادٌ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ إِكمَالِ العِدّة، بَلْ وعندَ كُلِّ فِطْرٍ) ثم ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "لِلصَّائِمِ عِنْدَ إِفْطَارِهِ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ". فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو إِذْ أَفْطَرَ دَعَا أَهْلَهُ، وَوَلَدَهَ وَدَعَا. كما ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حتى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ ...) الحديث ، لكن لا تخلو أسانيدها من مقال.
وقد صحح ابن خزيمة وابن حبان حديث أبي هريرة، وبوب عليه ابن خزيمة: باب ذكر استجابة الله - عز وجل - دعاء الصوام إلى فطرهم من صيامهم، جعلنا الله منهم. وترجم عليه ابن حبان: ذِكْرُ رَجَاءِ اسْتِجَابَةِ دُعَاءِ الصَّائِمِ عِنْدَ إِفْطَارِهِ.
وقد ذكر غير واحد من العلماء تعليلا لسرعة استجابة دعوة هؤلاء الثلاثة (بأن سرعة قَبولِ الدعاء إنما تكونُ لصلاح الداعي، أو لتضرعه في الدعاء، والصائمُ يُقبل دعاؤه لأنه فرغَ من عبادةٍ محبوبةٍ إلى الله تعالى، وَحَالِ تَضَرُّعٍ وَمَسْكَنَةٍ[2])  كما قال رسول الله - عليه السلام - حكايةً عن الله تعالى: أنه قال: "الصَّومُ لي". وأما الإمام فلأنَّ عدله أفضلُ العبادات؛ لأن عدلَ ساعةٍ يدركُ عبادةَ ستين سنة. وأما المظلوم فلأنه لمَّا لحقته نار الظلم، واحترقت أحشاؤه، خرج منه الدعاءُ عن التضرع، وصار مُضطرًا إلى قبول الدعاء، ودفعِ الظلم عنه، فيقبل الله دعاءه، كما قال الله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62].[3]) .
وفي القرآن المجيد قولُه تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] والدعاء من الكلم الطيب، بل فُسر به، والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله تعالى، فيكون مقبولا عند الله، والصيام عمل صالح؛ فيرتفع به دعاء العبد إذا دعا ربه وهو صائم.
 وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِحَتْ أبْوَاب الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أبْوَابُ النَّارِ، وَصفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ».
ورمضان اسم للشهر ليلِه ونهاره، وفي قوله: ( فتحت أبواب الجنان) ترغيب في الاستكثار من الأعمال الصالحات في هذا الشهر، ولا شك أن هذا شامل لنوعي الدعاء، كما أن فيه إيماءً إلى (أن الطريق إلى الجنة في رمضان أسهل والأعمال فيه أسرع إلى القبول)[4]) .
وبهذا أيها المسلم يتبين لك أن الدعاء في رمضانَ وفي حال الصيام منه موضعٌ من مواضع إجابته، ولعل في ذكر هذه الآية { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} بعد ذكر الصيام وشهر رمضان إيماء إلى ذلك. والعلم عند الله تعالى.
اللهم اجعلنا ممن وفقته إلى طاعتك، وهديته إلى سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وأعظمت له أجره، وحططت وزره، وتقبلت صيامه وقيامه ودعاءه وصالح عمله، فأنت سبحانك ملجؤنا وملاذنا، عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، والحمد لله رب العالمين.
 

([1])التحرير والتنوير (2/ 179)
([2])مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1534)
 
([3])المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 131) للمظهري
شرح المصابيح لابن الملك (3/ 80)
 
([4])شرح صحيح البخارى لابن بطال (4/ 20)