الصيام والتيسير

الصيام والتيسير

الصيام والتيسير
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على خير خلقه، نبينا محمد وآله وصحبه.
أما بعد؛ فإن التيسير ورفع الحرج خصيصة بارزة في دين الإسلام، وذلك من مقتضيات كون هذه الشريعة رحمة للعالمين، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، ويكفي من ذلك أن الله ذكر رفع الحرج والآصار والأغلال عن هذه الأمة فيما شرع لها من الشرائع، كما قال تعالى في وصف رسوله محمد صلى الله عليه وسلم : {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] وقال سبحانه مبينا رفع الحرج في هذه الشريعة: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة: 6] وقال: { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ } [النساء: 28]وقال: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وأجاب دعاء المؤمنين حين قالوا: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) } [البقرة: 286] فقال سبحانه : قد فعلت. رواه مسلم. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني مُعَلِّماً مُيَسِّراً» أخرجه مسلم، ويوصي أصحابه بالتيسير على الناس، فقال لأبي موسى ومعاذ لما بعثهما إلى اليمن بَشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرا ولا تُعسِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا. متفق عليه. وقال لأصحابة لما انتهروا الأعرابي الذي بال في المسجد : (إِنما بُعِثْتُم مُيَسِّرِينَ، ولم تُبْعَثُوا مُعسِّرِينَ )، وأبواب التيسير وطرائقه في الشرع معلومة عند أهل العلم الراسخين فيه.
وعبادة الصيام من العبادات التي برزت فيها مظاهر التيسير ورفعِ الحرج، سواء أكان ذلك في خطاب فرضه، أم في امتثاله، ومن ذلك:
أولا : أن الله نادى عباده حين افترض الصيام عليهم باسم الإيمان الذي هو أخص أوصافهم وأشرف أسمائهم؛ تهييجا وتشويقا لامتثال أمره، وفي ذلك إعانة لهم على صيامه؛ لما تجده نفوسهم من إقبال على الطاعة يستلذون بها المشاق، ويستسهلون بها الصعاب.
ثانيا: أنه جل شأنه قرن الأمر بالصيام بذكر افتراضه على الأمم السابقة، وفي هذا تسهيل صيامه على النفوس ؛ ودخولٌ بالمسلم في مضمار التنافس على الخيرات مع الأمم ، كما قال تعالى : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [المائدة: 48]
ثالثا: أنه سبحانه ذكر لهم ثمرة الصيام بقوله : ( لعلكم تتقون) وذلك وعد من الله، فيه رجاء للمكلف. وجاء في الخبر المتفق على صحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( والصوم جنة) قال أهل العلم : (أَيْ وِقَايَةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ حِجَابٌ وَحِصْنٌ لِلصَّائِمِ مِنَ الْمَعَاصِي فِي الدُّنْيَا وَمِنَ النَّارِ فِي الْعُقْبَى ) فضلا عما تظاهرت عليه الأدلة من الأجور العظيمة المرتبةِ على الصيام. وكل ذلك مما يحفّز المؤمن على الصيام، وتستقبله نفسه بالمحبة والإقبال؛ فتتلاشى عنده حينئذ كل مشقة تنشأ عن الصيام.
رابعا: ضم قول الله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] إلى قوله عز وجل : {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن: 16] يبين أن الصيام مقيّد بالاستطاعة، وفي هذا نفي الحرج عن المكلف إذا لم يستطع الصيام.
خامسا: أن الله سبحانه وتعالى جعل الصيام الذي فرضه على عباد أياما معدودات من السنة، ولم يستغرق السنة ولا أكثرها، بل هو جزء قليل من السنة، ما نسبته جزء من اثني عشر جزءا؛ فهو أقل من عشر السنة، قال السمعاني رحمه الله: ( فَالْمُرَاد بقوله: {أَيَّامًا معدودات} أَيَّامُ رَمَضَان، وَفِيه إِشَارَة إِلَى التَّيْسِير، حَيْثُ لم يُوجب صَوْم كل السّنة، وَإِنَّمَا أوجبه أَيَّامًا معدودات)([1]) .
سادسا : أنه سبحانه  شرع الصيام على جهة التدرج، فكان المكلف في بادئ الأمر مخيرا بين الصيام أو الفدية، مع تفضيل الصيام، كما قال تعالى: { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184] ثم فرضه بعد ذلك.
سابعا: أنه سبحانه ذكر وصفا لشهر رمضان الذي افترض فيه الصوم فقال {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } [البقرة: 185] فكأنه سبحانه يذكرهم بهذه النعمةِ التي امتن عليهم بها في هذا الشهر، وهو نزول القرآن؛ ليوافوا ذلك بشكره عليها، ومن أعظم ذلك: صيام هذا الشهر، ولا ريب أن ما يفعله الإنسان على جهة الشكر أخف على نفسه من غيره، قال الله تعالى في ختام الآية: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة: 185]
ثامنا : أن الله عز وجل رخص للمريض والمسافر الفطر فيه، وقضاءه بعد زوال العذر، كما قال تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] .
تاسعا : أنه كان في ابتداء فرضية الصيام إذا حضر الإفطارُ فنام الصائم قبل أن يفطر حرم عليه الفطر حتى يفطر من الليلة القابلة فنسخ الله ذلك رحمة بعباده، روى البخاري في صحيحه البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، إذا كان الرجلُ صائماً، فحضرَ الإفطارُ، فنامَ قبل أن يفطرَ، لم يأكلْ ليلتهُ ولا يومهُ، حتى يمسيَ، وإن قيس بنَ صرْمةَ الأنصاري كانَ صائماً، فلما حضر الإفطارُ، أتى امرأتهُ، فقال: أعندَكِ طعامٌ؟ قالت: لا، ولكن أنطَلِقُ فأطلبُ لك، وكان يومَهُ يعملُ، فغلبتهُ عينهُ، فلما انتصفَ النهارُ، غُشِي عليه، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية {أُحِلَّ لكم ليلةَ الصيامِ الرفَثُ إلى نسائكم} [البقرة: 187] ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت {وكلُوا واشربُوا حتى يتبيَّنَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفَجْرِ}
عاشرا: أن الله تعالى قال بعد ذكره فرض الصيام، وما رخص فيه لعباده من الرخص: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وهذا تأكيد للتيسير في الصيام على وجه الخصوص، وإن كان ذلك معلوما من الأدلة العامة التي تقدم ذكرها في صدر هذا الحديث، وهذا كالتيسير بعد التيسير. ثم إن هذه الإرادة إرادة دينية مرادفة للمحبة، وما كان كذلك فموافقة الله فيما أحبه مطلوبة من المؤمن، وفي هذا دعوة للمؤمن بأن يأخذ باليسر في صيامه، ولا يحمل نفسه على المشقة مع وجود الرخصة.  وقد ذكر بعض أهل العلم أن في هذه الآية ( إيماءً إلى أن مشروعية الصيام وإن كانت تلوح في صورة المشقة والعسر، فإن في طيّها من المصالح ما يدل على أن الله أراد بها اليسر أي تيسيرُ تحصيلِ رياضة النفس بطريقة سليمةٍ من إرهاق أصحاب بعض الأديان الأخرى أنفسَهم )[2]) 
حادي عشر : أن الله عز وجل قال في تضاعيف آيات الصيام: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] وفي هذا إشارة إلى أن امتثال المسلم لما شُرع له من الشرائع موجب لقربه من ربه سبحانه وتعالى؛ فإن الدعاء على نوعين: دعاء مسألة، وهو سؤال العبد ربه، ودعاء عبادة، وهو ثناء العبد على الله وقيامُه بحقه؛ رجاء موعوده وخوفا من وعيده، والصيام من هذا النوع، فالصائم يطلب بصيامه رحمة الله ومغفرته، فكأن الآية الكريمة تهون على المؤمن مشقة الصيام، وتيسره له؛ إذ ثواب ذلك قرب العبد من ربه، وذلك ما يسعى إليه ويرجوه.   
هذا ما تيسره بيانه، ولعل فيه نفعا لي ولكم، اللهم فقهنا في الدين، وارزقنا الإخلاص، وتوفنا على الإسلام، والحمد لله .
 
([1])تفسير السمعاني (1/ 179)
([2])(التحرير والتنوير ـ الطبعة التونسية (2/ 175)