الصيام والتقوى

الصيام والتقوى

الصيام والتقوى
الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على خير خلقه، نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد، فقد وعد الله عباده المتقين جنات فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ووعد الله حق، والله لا يخلف الميعاد، وقد ذكر الله ذلك النعيم الذي يكون في الآخرة للمتقين في آي كثير من كتابه العظيم، كما في قولِه تعالى: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } [آل عمران: 15] و قولِه تعالى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198] و قولِه تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ } [الرعد: 35] و قولِه تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا } [النبأ: 31 - 36].
إن المتقين هم أولياء الله الذين وعدهم الله البشرى، وكتب لهم الرحمة، كما قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [يونس: 62 - 64] وقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156]
فما هذه التقوى التي بلغت بهؤلاء القوم هذا النزل الكريم، والمقام العظيم، والنعيم المقيم؟ إنها امتثال ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه؛ فبذلك يجعل المرء بينه وبين عذاب الله وقاية، وعلى هذا المعنى دل القرآن الكريم، ودارت تفاسير السلف.
وفي الصيام تحقيق للتقوى؛ ولهذا ذكرها الله علة مشروعية الصيام فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة: 183] وقال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]؛ ذلك أن الصوم عبادة لله، وعبادة الله سبحانه سبب لتقواه كما قال تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21].
أيها المؤمن الكريم: إن المقصود من التكاليف الشرعية تزكية النفوس ، وتطهيرها من أدران المعاصي ، وإصلاحُ ما بين العبد وربه ، والترقي في درجات العبودية لله ، ومقاماتِ الولاية ؛ حتى يعبد المرء ربه كأنه يراه ، فيستوي سره وعلانيته ، وباطنه وظاهره ؛ ولهذا قطع الله بالفلاح لمن كان كذلك ، وأوجب له جنته، كما قال جل وعلا :{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } وقال: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى }
وصيام شهر رمضان الذي أوجبه الله علينا ، وجعله ركنا من أركان الإسلام ، باب عظيم من أبواب تزكية النفوس { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فمن صام رمضان على الوجه المشروع حصلت له التقوى في حاضره وما يستقبله من أيامه، ولذلك ذكر الله التقوى في آية الصيام بصيغة المضارع، وبقدر كمال الصيام في موافقته للشرع: إخلاصا لله تعالى؛ واتباعا لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ يكون كمال الأثر .
فما حقيقة الصيام الذي هو سبب التقوى؟ إنه إمساك عن الأكل والشرب والجماع وغيرها من المفطرات، وصونٌ للجوارح عن محارم الله.
وإن التقوى التي جعلها الله في الصيام إنما تنال بالصيام الموافق لما شرعه الله ، وقد أبان عن هذا الصيام نبينا صلى الله عليه وسلم فقال: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ». أخرجه البخاري. وروى أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال : (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ الْجُوعُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلاَّ السَّهَرُ ). قال الطيبي  : ( فإن الصائم إذا لم يكن محتسبا ، أو لم يكن مجتنبا الفواحش من الزور والبهتان والغيبة ونحوها من المناهي ؛ فلا حاصل له إلا الجوع والعطش وإن سقط القضاء ) وحفاظا على هذا الصيام أرشد صلى الله عليه وسلم إلى اجتناب الخصومة والمماراة والمسابة ولو ابتُدئ الإنسان بها ، ففي الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم : ( وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ).
وإنما كان الصيام المشروع سببا للتقوى لما فيه من الصبر على طاعة الله وعن محارمه ، والمراقبةِ له ، واليقينِ بما عنده ، والإخلاص له ، والصدق في معاملته ، والرغبة إليه ، والرهبة والخشية منه ، وكلها من أعمال القلب ، التي فيها  حياة القلب ، ونورُ البصيرة ، والطمأنيةُ بالله وإليه سبحانه وتعالى، كما أن فيه تضييقا لمجاري الشيطان ، وَكسرَ الشَّهَوَات، وكفَّ النفس عن كثير مما تتطلع إليه من المعاصي، قال العلامة ابن القيم رحمه الله : ( فَالصَّوْمُ يَحْفَظُ عَلَى الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ صِحَّتَهَا، وَيُعِيدُ إِلَيْهَا مَا اسْتَلَبَتْهُ مِنْهَا أَيْدِي الشَّهَوَاتِ، فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى التَّقْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] [الْبَقَرَةِ 183] .وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( «الصَّوْمُ جُنَّةٌ» ) وَأَمَرَ مَنِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّكَاحِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، وَجَعَلَهُ وِجَاءَ هَذِهِ الشَّهْوَةِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَصَالِحَ الصَّوْمِ لَمَّا كَانَتْ مَشْهُودَةً بِالْعُقُولِ السَّلِيمَةِ، وَالْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ، شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ رَحْمَةً بِهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ وَحِمْيَةً لَهُمْ وَجُنَّةً.)[1]) وقال ـ أيضا ـ : (فَأَحَدُ مَقْصُودَيِ الصِّيَامِ الْجُنَّةُ وَالْوِقَايَةُ، وَهِيَ حِمْيَةٌ عَظِيمَةُ النَّفْعِ، وَالْمَقْصُودُ الْآخَرُ: اجْتِمَاعُ الْقَلْبِ وَالْهَمِّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَوْفِيرُ قُوَى النَّفْسِ عَلَى مَحَابِّهِ وَطَاعَتِهِ)[2]) 
أيها المؤمنون : إن وعد الله في قوله : ( لعلكم تتقون ) ورجاء ذلك الموعود منكم بالصيام المشروع ، تصلح به حال المؤمن ، ويتبدل إلى الأحسن ، ويسعد في الآخرة مع المتقين الذين قال الله عنهم : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ  فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ }
اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وأوليائك الصالحين، ومن يستمع القول فيتبع أحسنه، سبحن ربك رب العزة عما يصفون .
 
([1])زاد المعاد في هدي خير العباد (2/ 28)
([2])زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 307)