الصيام والإيمان

الصيام والإيمان

الصيام والإيمان
الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على خير خلقه، نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد فالإيمان يدور على ثلاثة أشياء : اعتقاد القلب، ونطق اللسان، وعمل الجوارح، فإذا ذهب أحدها فلا إيمان للمرء، وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة.
والصيام هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس تقربا إلى الله جل وعلا، فالصيام نية وعمل، نية التقرب إلى الله، وعمل بالإمساك عن المفطرات، وبهذا يتبين أن الصيام من الإيمان. والإيمانُ والإسلام يفسر أحدهما بالآخر عند افتراقهما، وأما عند اجتماعهما فالإيمان يفسر بعمل الباطن، والإسلام بعمل الظاهر، كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه  عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة مجيء جبريلَ عليه السلام  للنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس بين أصحابه، وفيه قول جبريل: ( يا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ).
هذا وقد جاء بيان أن الصيام من الإيمان في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنْ الْمَغْنَمِ الْخُمُس) الحديث.
فتبين بهذا أن الصيام عمل من أعمال الإيمان، وركن من أركان الإسلام. وقد جاء فرضه على العباد بنداء الله لهم باسم الإيمان، الذي هو أشرف أسمائهم التي سماهم الله بها، قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة: 183] وقد تكرر هذا النداء ـ أعني النداء باسم الإيمان ـ في كتاب الله عز وجل كثيرا، قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ يَأْمُرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ. أخرجه َأَبُو عبيد فِي فضائل القرآن وَسَعِيد بن مَنْصُور فِي سنَنه وأبو حاتم في تفسيره وغيرُهم.
ومن تأمل هذه النداءات وجدها كما قاله ابن مسعود رضي الله؛ فإن ما بعد النداء إما طاعة ومعروف وخير يأمر الله به، وإما معصية ومنكر وشر ينهى الله عنه، وإما الأمران معا، فمن الأول قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا } [التحريم: 8]  وقولُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [الحج: 77] وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمً} [الأحزاب: 56] ومن الثاني قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} [آل عمران: 118] وقولُه: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون: 9] وقولُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51] ومن الثالث قوله تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278] وقولُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] وقولُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1].
الله أكبر! أيها الأخ المسلم: هذا النداء الكريم الذي وجهه الله إليك، وشرفك به وخصك، الشأن فيك أن تقول كما قال المؤمنون الأخيار : سمعنا وأطعنا، فيكون صيامك كما أمرك الله، صياما تبتغي به وجهه، وتشكره به على نعمه، وتقابل إحسانه إليك بإحسانك في عبادته، فإن فعلت ذلك كنت من الذاكرين الشاكرين الموعودين بالأجر العظيم، فاستمع يا ـ رعاك الله ـ إلى قول الله عز وجل {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة: 185] وقولِه : {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب: 35] واستمع إلى قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المتفق على صحتها: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». و«مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا في سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ». و«إنَّ في الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أحدٌ غَيْرُهُمْ، يقال: أيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لاَ يَدخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ».
أيها المستمع الكريم : هذا النداء بوصف الإيمان دليل على أن الإيمان يستلزم من الإنسان القولَ والعملَ الصالح، كما قرره أهل السنة والجماعة([1]) وفيه تشويق لأهل الإيمان أن يلتزموا شرع الرحمن، ويمتثلوا أمره بصيام ما افترضه عليهم، فكأنه سبحانه يقول لهم: إن كنتم مؤمنين فصوموا كما أمرتكم ([2]) . قال العلامة ابن القيم رحمه الله على آية افتتحت بهذا النداء : ( وافتتح الآية بالنداء باسم الإيمان المشعرِ بأن المطلوب منهم من موجبات الاسم الذي نودوا به وخوطبوا به، كما يقال: يا من أنعم الله عليه وأغناه من فضله، أحسن كما أحسن الله إليك، ويا أيها العالم علم الناس ما ينفعهم، ويا أيها الحاكم احكم بالحق، ونظائرُه. ولهذا كثيرا ما يقع الخطاب في القرآن بالشرائع كقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} . ففي هذا إشارة إلى أنكم إن كنتم مؤمنين فالإيمان يقتضي منكم كذا وكذ؛ا فإنه من موجبات الإيمان وتمامِه)([3])
عباد الله: الصيام له أثر عظيم في صلاح القلب، وتطهيره من أدران الذنوب والسيئات، وزيادة إيمانه، و قربه من خالقه وفاطره؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ( والصوم جنة) متفق عليه، قال أهل العلم : (أَيْ وِقَايَةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ حِجَابٌ وَحِصْنٌ لِلصَّائِمِ مِنَ الْمَعَاصِي فِي الدُّنْيَا وَمِنَ النَّارِ فِي الْعُقْبَى )([4]) .
اللهم اجعلنا هداة مهتدين، ووفقنا لسلوك سبيل الصالحين، ومنّ علينا بالمغفرة والرحمة والعتق من النار.
 

([1])سورة النور - الشنقيطي (ص: 0)
([2]) انظر تفسير سورة النور - الشنقيطي (ص: 0)
 
([3]): الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه (ص: 39)
 
([4])مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1363)