أسئلة النبي صلى الله عليه وسلم 23

أسئلة النبي صلى الله عليه وسلم 23

روى البخاري بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُصَلِّي، فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي؟» فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: " أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] ثُمَّ قَالَ: «أَلاَ أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ»؟ فَذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ فَذَكَّرْتُهُ، فَقَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ. هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»
ــــــــــــــــــــــــ
أيها الأخوة المستمعون الأفاضل: هذا الحديث الذي أضعه اليوم بين أيديكم، وتلوته على مسامعكم، مشتمل على مسائلَ وأصولٍ مهمّة، ينبغي أن ترعوا لها أسماعكم، وتتفقهوا فيها؛ لأنها من دين الله المنزلِ على عبده ورسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي تعبّدنا الله به، وجعله دينه الذي ارتضاه إلى قيام الساعة، وسيكون الكلام ـ بإذن الله ـ عن أهم مسائله المتعلقة بالبرنامج، فأقول ـ سائلا الله عز وجل التوفيق والسداد ـ :
أولا: في هذا الحديث دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبا سعيدِ بنَ المعلّى ـ رضي الله عنه ـ وكان في صلاة، فاستمر فيها حتى قضاها؛ ظنا منه أنه إذا كان في صلاة لم يلزمه إجابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الفور ،([1]) ولعله استند إلى قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، ولعله  ـ أيضا ـ قدم قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} الذي يدل (على إقامتها والمضي فيها، دون تركها والاشتغال بغيرها)([2])، أوأنه (ثَبَتَ عَلَى صَلَاتِهِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ نَازِلَتَهُ الْمُعَيَّنَةَ لَا يَتَنَاوَلُهَا مَعْنَى الْآيَةِ)([3]) وبعد أن قضى صلاته أتى النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له ـ عليه الصلاة والسلام ـ : ما منعك أن تأتيني؟ فأبدى أبو سعيد ـ رضي الله عنه ـ عذره، وهو أنه كان يصلي، فأحاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أمر الله ـ تعالى ـ بالاستجابة للرسول، وهذا شامل للأحوال كلها، ومنها حالُ أداءِ العبادة، قال الإمام البيهقي ـ رحمه الله ـ : ( وَفِيهِ تَأْكِيدُ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي فَرْضِ جَوَابِهِ، إِذْ سَأَلَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي الصَّلَاةِ)([4]) انتهى، وقد بيّن الإمام ابن خزيمة ـ رحمه الله ـ أن هذا من خصائص النبي ـ صلوات ربي وسلامه وبركاته عليه وعلى آله ـ فقد ترجم على هذا الحديثِ في صحيحه (2/ 37) بقوله: ( بَابُ ذِكْرِ مَا خَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَانَ بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمَّتِهِ مِنْ أَنْ أَوْجَبَ عَلَى النَّاسِ إِجَابَتَهُ وَإِنْ كَانُوا فِي الصَّلَاةِ، إِذَا دَعَاهُمْ لِمَا يُحْيِيهِمْ)، وَقَالَ الحافظ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ ـ رحمه الله ـ : (الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِذَلِكَ)([5]) ، وذكره السيوطي ضمن خصائصه ـ عليه الصلاة والسلام ـ([6])، وكذا ذكره القاضي عبدالوهاب بنُ سليمان المالكي، وأبو الوليدِ الباجي([7])  كما ذكره العيني في شرح البخاري([8]) وقال الحافظ أبو بكرِ بنُ المنذر ـ رحمه الله ـ : (وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُجِيبَ إِمَامًا يَدْعُوهُ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ عَلَى مَنْ أَجَابَ إِمَامَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ صَلَاتِهِ الْإِعَادَةُ)([9])  انتهى.
ثانيا: في هذا الحديث دليل على أَن الْأَمر على الْفَوْر؛ لِأَنَّهُ عاتبه لما تَأَخّر عَن إجَابَته([10]) ، (فما فسحَ له في التأخيرِ إلى انقضاءِ صلاتهِ، وهذا غاية في الفور)([11]) 
 ثالثا: قال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ : (وَفِيه دَلِيل على لُزُوم الْعَمَل بِمُقْتَضى اللَّفْظ، إِلَّا أَن يصرف عَنهُ دَلِيل) ([12]) انتهى، قال الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ : ( وَإِذَا تَجَرَّدَتْ صِيغَةُ الْأَمْرِ اقْتَضَتِ الْوُجُوبَ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمُ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ" فَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ لَوَجَبَ وَشَقَّ) ثم ذكر حديث أبي سعيد بن المعلى هذا، ([13])وقال أبو الوفاء ابن عقيل ـ رحمه الله ـ : (فوجهُ الدلالةِ أنه تعلّق عليه بصيغةِ الأمرِ في إيجابِ إجابتهِ - صلى الله عليه وسلم - حين دعاهُ).([14]) وقال القرافي ـ رحمه الله ـ : (فذمه على ترك الاستجابة عند مجرد ورود الأمر، فلولا أن مجرد الأمر للوجوب، وإلا لما جاز ذلك)([15]) 
رابعا: الآية التي أحال عليها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ـ رحمه الله ـ في تأويلها: (يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة لله وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه. وقوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام).([16])  انتهى كلامه.  قال أهل العلم : ووحّد الضمير في قوله: ( إذا دعاكم) - أي الرسول- لأنه هو المباشر للدعوة إلى الله تعالى، ولأن استجابته صلّى الله عليه وسلّم، كاستجابته تعالى. ([17]) قال الطاهر بن عاشور ـ رحمه الله ـ : ( فَالْآيَةُ تَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالِامْتِثَالِ لِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ الرَّسُولُ سَوَاءٌ دَعَا حَقِيقَةً بِطَلَبِ الْقُدُومِ، أَمْ طَلَبَ عَمَلًا مِنَ الْأَعْمَالِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَيْدُ " لِما يُحْيِيكُمْ" مَقْصُودًا لِتَقْيِيدِ الدَّعْوَةِ بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ، بَلْ هُوَ قَيْدٌ كَاشِفٌ، فَإِنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدْعُوهُمْ إِلَّا وَفِي حُضُورِهِمْ لَدَيْهِ حَيَاةٌ لَهُمْ) ([18]) انتهى المقصود منه.
وقال ابن العربي ـ رحمه الله ـ قوله تعالى: لما يحييكم ليس يريد به حياة المشاهدة والأجسام، وإنما يريد به حياة المعاني والقلوب بالإفهام بدعائه إياهم إلى الإسلام والقرآن والحق والجهاد والطاعة والألفة، وقيل: المراد به لما يحييكم في الآخرة الحياة الدائمة في النعيم المقيم)([19]) 
وقال العلامة ابن القيم : ( فتضمنت هَذِه الْآيَة ...أَن الْحَيَاة النافعة إِنَّمَا تحصل بالاستجابة لله وَرَسُوله، فَمن لم تحصل لَهُ هَذِه الاستجابة فَلَا حَيَاة لَهُ، وَإِن كَانَت لَهُ حَيَاة بهيمية مُشْتَركَة بَينه وَبَين أرذل الْحَيَوَانَات، فالحياة الْحَقِيقِيَّة الطّيبَة هِيَ حَيَاة من اسْتَجَابَ لله وَالرَّسُول ظَاهرا وَبَاطنا، فَهَؤُلَاءِ هم الْأَحْيَاء وَإِن مَاتُوا، وَغَيرُهم أموات وَإِن كَانُوا أَحيَاءَ الْأَبدَان؛ وَلِهَذَا كَانَ أكملُ النَّاس حَيَاة أكملَهم استجابةً لدَعْوَة الرَّسُول، فَإِن كَانَ مَا دَعَا إِلَيْهِ فَفِيهِ الْحَيَاة، فَمن فَاتَهُ جُزْء مِنْهُ فَاتَهُ جُزْء من الْحَيَاة، وَفِيه من الْحَيَاة بِحَسب مَا اسْتَجَابَ للرسول)([20]) انتهى.
معاشر المستمعين: الأدلة الدالة على معنى هذه الآية كثيرة كقوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [النساء: 13] وقولِه: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } [النساء: 69] وقولِه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } [النور: 52] وقولِه ـ سبحانه ـ : {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [الأحزاب: 71] وقوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل: 97] وقوله ـ جل شأنه ـ : {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].
أيها المؤمن: فَكاكك من النار، ودخولك الجنة، في الاستجابة لله ـ عز وجل ـ ولرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك بإخلاص الدين لله، واتباع رسوله فيما شرعه، فاجتهد في تحقيق ذلك؛ عسى أن تكون من الفائزين . 
 
([1]) انظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري (18/ 81)
([2])العدة في أصول الفقه (1/ 237)
([3])الموافقات (3/ 298)
([4])معرفة السنن والآثار (3/ 313)، وانظر أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (2/ 390)
([5])شرح الزرقاني على الموطأ (1/ 320)
([6]) الخصائص الكبرى(1/443) .
([7]) فتح الباري(8/ 158)
([8])عمدة القاري شرح صحيح البخاري (18/ 81)
([9])الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (3/ 236)
([10])كشف المشكل من حديث الصحيحين (4/ 162)
([11])الواضح في أصول الفقه (3/ 19)
([12])كشف المشكل من حديث الصحيحين (4/ 162)
([13])الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (1/ 219)
([14])الواضح في أصول الفقه (2/ 495)
([15])نفائس الأصول في شرح المحصول (3/ 1202)
([16])تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 318)
([17])تفسير القاسمي = محاسن التأويل (5/ 275)
([18])التحرير والتنوير (9/ 313)
([19]): الأحكام لابن العربي (2/ 389)
([20])الفوائد لابن القيم (ص: 88)