أسئلة النبي صلى الله عليه وسلم 21

أسئلة النبي صلى الله عليه وسلم 21

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، أما بعد:
فروى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ»
ـــــــــ
في هذا الحديث سأل الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل أبي بنَ كعب رضي الله عنه ـ وكان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ سأله عن أي آية من كتاب الله معه أعظم، ( وسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابي في باب العلم إما أن يكون للحث على الاستماع لما يريد أن يلقي عليه، أو الكشفِ عن مقدار فهمه، ومبلغ علمه) قاله الطيبي رحمه الله([1]) وقال: (فلما راعى الأدب بقوله: "الله ورسوله أعلم" ورآه لا يكتفي بذلك وأعاد السؤال، علم أنه صلى الله عليه وسلم يريد بذلك استخراج ما عنده من مكنون العلم، فأجاب عنه) قال الطيبي: ( يمكن أن يقال: إنه [ أي أُبي]ما علم أولاً، وأحال علمَه إلى الله وإلى رسوله، فشرح الله صدره بقذف النور وأعلمه، فأجاب بما أجاب، ألا ترى كيف هنّأه صلى الله عليه وسلم بقوله: لِيَهْنِك) انتهى كلامه رحمه الله.
وقوله: صلى الله عليه وسلم: (لِيَهْنِك العلم) الشيء الهنيء ما جاء من غير مشقة ولا تعب، والمعنى ـ هنا ـ ليكن العلم هنيئا لك، قال أهل العلم: تضمن هذا شيئين، الأول الدعاء لأُبيّ بتيسير العلم له، ورسوخِه فيه، والثاني: الإخبار بأنه راسخ في العلم ومُجيدٌ فيه، وأبرز ذلك في صورة أمرِ العلم بأن يكون هو هناءً له مبالغةً في البشارة والمنة. وأما ضربه صلى الله عليه وسلم في صدر أُبيّ فتنبيه على انشراحه وامتلائه علماً وحكمة([2])وهذا من فضائله رضي الله عنه.
وقول أبي رضي الله عنه: (قُلْتُ: {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} أي أعظم آية هي الآية التي مستهلها ومبدؤها ذلك، والمقصود بها آية الكرسي في سورة البقرة، وجاء التصريح بأنها آية الكرسي في مصنف عبد الرزاق، ومستخرج أبي عوانة، والأمالي لابن بشران، وشعب الإيمان والسنن الصغير كلاهما للبيهقي.
وهذا الحديث استنبط منه العلماء فوائد ومسائل كثيرةً في جملة من أبواب العلم والدين، وسأكتفي منها بما يتعلق بموضوع البرنامج:
المسألة الأولى: في الحديث دليل على أن القرآن يتفاضل فيما بينه، وهو الذي عليه السلفُ، وجماهيرُ العلماء، وأئمةُ الفقه، وقد دلّ على هذا أحاديث أخرى([3])  منها: مارواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْشُدُوا، فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»
وروى مسلم ـ أيضا ـ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟» قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»
وروى البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ. وروى ـ أيضا ـ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ.
وروى البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى رضي الله عنه قَالَ : كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ أُجِبْهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي قَالَ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ : {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} ثُمَّ قَالَ أَلاَ أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ قُلْتَ لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُه.
المسألة الثانية : ذكر القاضي ابن العربي المالكي رحمه الله([4])  وجه تفضيل آية الكرسي على غيرها، فقال: (وإنما صارت أعظم بعِظَم مقتضاها، فإنّ الشيء إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته) وفصّل في ذلك القاضي البيضاوي رحمه الله في ( شرح المصابيح) فقال: (شرف الآيات بشرف مدلولاتها ورفعة قدرها، واشتمالِها على الفوائد العظيمة، والعوائد الخطيرة، ثم بحسنِ النظم ومزيدِ البيان والفصاحة، ولا شك أن أعظم المدلولات ذاتُ الله تعالى وصفاتُه، وأشرفَ العلوم وأعلاها قدرا وأبقاها ذخرا هو العلم الإلهي الباحثُ عن ذاته تعالى وصفاته السلبيةِ والثبوتية، وما يدل عليها من صنائعه وأفعاله، وأن رجوع الخلق إليه، وحسابَهم عنده، لا مرد لحكمه، ولا مانع من عذابه. وهذه الآية باعتبار معناها وما يستفاد من مفهومها وفحواها تشتمل على جملة ذلك مفصلا أو مجملا، على طريقة التقرير والتحقيق لا على سبيل الدعوى ومحض التقليد.
ومن حيث إن اللفظ وقع في مجاز البلاغة وحسنِ النظم والترتيب موقعا تنمحق دونه بلاغةُ كلِ بليغ، وتتعتع في معارضته فصاحةُ كل فصيح)([5])  
هذا وللحديث صلة ، أسأل الله أن يوفقنا لهداه، ويفقهنا في دينه، ويستعملنا في طاعته، ويغفر لنا جميعا، إنه هو الغفور الرحيم، وهو مولانا فنعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين.
 

([1])(شرح المشكاة 5/ 1643)
([2])(شرح المشكاة للطيبي5/ 1644) (دليل الفالحين 6/ 500)
([3]انظر علوم القرآن عند ابن عبد البر (1/ 446)
([4])(قانون التأويل ص: 545)
([5])تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 525)