أسئلة النبي صلى الله عليه وسلم 20

أسئلة النبي صلى الله عليه وسلم 20

روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟» قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: «لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ».
ـــــــــــــــــ
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاهد أصحابه: جماعات وأفرادا، ببيان ما يقربهم إلى الله، ويهديهم إلى الجنة، قياما بالنصيحة، وشفقة عليهم، وصدق الله { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 128]  وفي صحيح مسلم قوله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : ( إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ) فصلوات ربي وسلامه وبركاته عليه، أشهد أنه بلغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده؛ حتى أتاه اليقين، فجزاه الله عن أمته خيرا، وحشرنا في زمرته، تحت لوائه، وجمعنا به في جنات النعيم، إن ربي سميع قريب مجيب.
أيها المستمع العزيز: في هذا الحديث سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصحابي الجليل أبا موسى عبد الله بن قيس الأشعريّ سؤال ترغيب وتشويق وتحضيض، ولا سبيل إلى معرفة جوابه إلا بوحي من الله تعالى، فبادر أبو موسى ـ رضي الله عنه ـ بالجواب قائلا: َبلَى، وفدّى رسول الله بأبيه وأمه ـ وهما أعز شيء عنده ـ مما يدل على شدة رغبته في معرفة ذلك، وحرصه على الازدياد من الخير، وثقته التامة بأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يدلهم إلا على ما هو خير لهم. وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد سمع أبا موسى يقول هذه الكلمة (لاحول ولا قوة إلا بالله) فأراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  أن يبيّن له فضلها؛ ليزداد لهجا بها، وثباتا عليها، ويقينا بها، فقد خرج الشيخان الحديث في مواضع بسياق تام، قال أبو موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: (ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا) ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ ـ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، فَقَالَ لِي: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، أَوْ قَالَ أَلاَ أَدُلُّكَ بِهِ).
أيها الإخوة الأفاضل: ولبيان ما تضمنه السؤال وجوابه في هذا الحديث أقول مستعينا بالله:
أولا: قوله : (لا حول ولا قوة إلا بالله) ويعبر عنها بِالْحَوْقَلَةِ كثيرا، وَبالْحَوْلَقَةِ على قلة، ومعنى هذه الجملة: لا تحول من حال إلى حال ولا قوة على ذلك التحول إلا بالله، وهو عام في كل تحول، وهو الذي عليه جمهور العلماء؛ فدلت هذه الكلمة العظيمة على أنه ليس للعالم العلوي والسفلي حركة وتحول من حال إلى حال، ولا قدرة على ذلك إلا بالله.([1])  
قال العلاّمة ابن القيم رحمه الله ( شفاء العليل) : (وقد أجمع المسلمون على هذه الكلمة وتلقيها بالقبول، وهي شافية كافية في إثبات القدر وإبطال قول القدرية... فيدخل في هذا كل حركة في العالم العلوي والسفلي، وكلُ قوة على تلك الحركة سواء كانت الحركة قسرية أو إرادية أو طبيعية، وسواء كانت من الوسط أو إلى الوسط أو على الوسط، وسواء كانت في الكم أو الكيف أو في الأين، كحركة النبات وحركة الطبيعة وحركة الحيوان وحركة الفلك وحركة النفس والقلب، والقوة على هذه الحركات التي هي حول، فلا حول ولا قوة إلا بالله)
ثانيا: قوله: ( كنز من كنوز الجنة) الكنز هو المال النفيس المجتمع الذي يخفى على أكثر الناس،  قال أبو السعادات ابن الأثير رحمه الله(النهاية 4/ 203) والقاضي عياض( المشارق): (أَيْ أجْرُها مُدّخَرٌ لِقَائِلِهَا والمُتَّصِف بِهَا، كَمَا يُدَّخَر الكَنْز). قال الطيبي: (شرح المشكاة6/ 1824): (ومعنى قوله: "كنز من كنوز الجنة" أنه يعد لقائله، ويدخر له من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا؛ لأن من شأن الكانزين أن يسعدوا به، ويستظهروا بوجدان ذلك عند الحاجة) وقال الحافظ النووي: (شرح مسلم17/ 26): (وَمَعْنَى الْكَنْزِ هُنَا أَنَّهُ ثَوَابٌ مُدَّخَرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ ثَوَابٌ نَفِيسٌ، كَمَا أَنَّ الْكَنْزَ أَنْفَسُ أَمْوَالِكُمْ)، فعلمتَ بهذا ـ أيها المستمع الكريم ـ أن هذه الكلمة كنز من كنوز الجنة ، لايعلم كنهها وغايتها وما تحتها من الثواب والحسنات إلا الله.
ثالثا: لاحول ولا قوة إلا بالله كلمة يسير مبناها ، جليل معناها ، عظيم ثوابها ، فيها إقرارٌ بإحاطة الله بكل شيء علما وقَدرا وقهرا ، وفيها استعانة بالله وتوكل عليه ، وفيها استسلام لله وحسن الظن به سبحانه ، وفيها تجرد العبد من حوله وقوته ، ومعرفتُه ضعفَ نفسه ، واضطرُاره إلى ربه ومولاه  ، لا يتحول العبد من حال إلى حال ، ولا قوة له على ذلك إلا أن يشاء الله قال الله تعالى:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } وقال سبحانه:{ مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} وقال جلّ شأنه:{ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا  فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا } وقال: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } وجاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا قال العبد :  لا حول ولا قوة إلا بالله ، قال الله : أسلم عبدي واستسلم ) أخرجه الحاكم وقوى إسناده الحافظ ابن حجر رحمه الله .
وهذه الكلمة غرس من غراس الجنة ، روى أحمد وصححه ابن حبان عن أبي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ : مَنْ مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذَا مُحَمَّدٌ ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ : مُرْ أُمَّتَكَ فَلْيُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ ؛ فَإِنَّ تُرْبَتَهَا طَيِّبَةٌ ، وَأَرْضَهَا وَاسِعَةٌ ، قَالَ : وَمَا غِرَاسُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . أي أنه يغرس لصاحبها بقولها غرس في الجنة كلما قالها.
وهذه الكلمة من الباقيات الصالحات { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا } .
من قال هذه الكلمة بلسانه ، موقنا بها في قلبه ، كفاه الله الهم ، ونجاه من الغم، وشرح صدره، ويسر أمره،
وفتح له أبواب الخير ، وهداه إلى صراط مستقيم ، كما قال تعالى عن الخليل عليه السلام وقومه :{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } وقال عن مؤمن آل فرعون : {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ  فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} وقال عن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ : {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ  فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}.
رابعا: ولأجل ماتضمنه هذه الكلمة من المعاني العظيمة ، وماتثمره من ثمرات جلية إذا تواطأ عليها القلب واللسان، شرع لنا قولها في إجابة المؤذن : ففي صحيح مسلم أن رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «إذا قال المؤذن : الله أكبر ، الله أكبر ، فقال أحدُكم : الله أكبر ، الله أكبر ، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله ، قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، ثم قال : أشهد أنَّ محمدا رسولُ الله، قال : أشهدُ أنَّ محمدا رسولُ الله ، ثم قال : حَيَّ على الصلاة ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال: حَيَّ على الفلاح ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : الله أكبرُ ، الله أكبر ، قال: الله أكبر ، الله أكبر ، ثم قال : لاإله إلا الله ، قال: لا إله إلا الله ، مِنْ قلبه ، دَخَلَ الجنة» أخرجه مسلم. وشرع لنا قولها في أدبار الصلوات بعد السلام ، ففي صحيح مسلم أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ : ( كان يقولُ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ حينَ يُسلمُ : «لا إِلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، له الملك ، ولَهُ الحَمدُ، وهو على كلِّ شَيءٍ قديرٌ ، لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بِاللهِ ، لا إلهَ إلا اللهُ ، ولا نَعبُدُ إلا إيَّاه ، لَهُ النِّعْمَةُ ، ولَهُ الفَضْلُ ، ولَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ ، لا إلهَ إلا الله مُخْلِصينَ له الدِّينَ ، وَلَو كَرِهَ الكافرون .
وشرع لنا قولها عند الخروج من البيت ، فعن  أنس بن مالك - رضي الله عنه - : أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «إِذا خرج الرَّجُلُ من بيته ، فقال : بسم الله ، توكلت على الله ، لا حولَ ، ولا قوة إلا بالله ، يُقال له : حَسْبُك ، هُدِيتَ ، وكُفِيتَ ، ووقِيتَ ، وتنحَّى عنه الشيطانُ» أخرجه أبو دواد والترمذي.
بل هي وصية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقد جاءه أَعرابي فقال : عَلِّمني كلاما أقولُه . قال : (قل : لا إِله إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شريكَ لَهُ ، اللهُ أكبر كبيرا ، والحمدُ للهِ كثيرا ، وسبحانَ الله ربِّ العالمينَ ، لا حولَ ولا قوةَ إِلا بالله العزيزِ الحكيم) قال : فهؤلاء لربِّي ، فما لي ؟ قال : قُل : (اللَّهمَّ اغْفِر لي ، وارحمني، وَاهدِني ، وارزُقْني؛ فإِنَّ هؤلاء تَجمَعُ لك دُنياكَ وآخِرتَكَ» رواه مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
هذا ما تيسر بيانه، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.
 

([1])(شرح حديث النزول ص: 186)