ماكان الإمام ابن معين مرجئا!

ماكان الإمام ابن معين مرجئا!

ما كان الإمام ابن معين مائلا إلى الإرجاء!
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد بن عبد الله وآله وصحبه.
أما بعد فقال الحافظ الذهبي رحمه الله  في (ميزان الاعتدال3/ 350): ( قال ابن الجنيد الختّلى: سمعت ابن معين يقول: كان أبو نعيم إذا ذكر إنسانا فقال: هو جيّد وأثنى عليه فهو شيعي، وإذا قال:فلان كان مرجئا فاعلم أنه صاحب سنة لا بأس به.
قلت: هذا قول دال على أن يحيى كان يميل إلى الارجاء، وهو خير من القدر بكثير).
وقد نشر بعض الأفاضل وفقهم الله هذا النص على ( النت) ضمن فوائد كتاب الميزان، وكنت أتمنى عدم نشر مثل هذه الفوائد التي قد تقلّل من قيمة أهل العلم في نفوس عوام المسلمين، الذين لا يميزون بين الخطأ في التأويل والقصد إلى الخطأ، ولا يعلمون أن من عرف بالعلم والفضل فخطؤه مغمور في بحر حسناته، وأن العصمة  للأنبياء والمرسلين فحسب.
وبعد هذه المقدمة أعود إلى مقالة الذهبي رحمه الله فأقول مستعينا بالله:
أولا: هذا النص الذي نقله الذهبي موجود في (سؤالات ابن الجنيد ص469)
ثانيا: جاء في حاشية النسخة الخطية للميزان المرموز لها بـ ( س) وهي بخط سبط ابن العجمي ما نصّه ( في فهم هذا الكلام من قول يحيى نظر، وينبغى أن يتأمل)  وقد نقل هذا التعليق محقق الميزان علي بن محمد البجاوي.
ثالثا: ما ذكره سبط ابن العجمي رحمه الله هو الصحيح ـ والعلم عند الله ـ للآتي:
1ـ أن المحفوظ عن الإمام ابن معين رحمه الله اعتقاد أهل السنة في الإيمان، فقد نقل عنه الدوري في تاريخه (3/ 463)أنه قال: ( الإيمان يزيد وينقص، وهو قول وعمل) وفي (4/ 391) ( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص).
وقال ابن محرز (معرفة الرجال 1/162): (سمعت يحيى بن معين يقول: أقول: إن إيمان الحجاج مثل إيمان أبي بكر! أو أقول: إن إيمان معاوية وعمرو بن العاص مثل إيمان أبي بكر! أوإيمان علي مثل إيمان هؤلاء! والله ما أقول ذلك)
2ـ أن ابن معين  أطلق وصف الإرجاء على عدد من الرواة كعاصم بن كليب ( رواية الدوري 3/ 521، والدقاق ص46) ويونس بن بكير (رواية الدوري 3/ 521)، والطاطري ( رواية الدوري 4/ 459)، وعثمان بن أبي روّاد ( سؤالات ابن الجنيد ص: 425)، وشبابة بن سوار( سؤالات ابن الجنيد ص: 474)، وأبي معاوية الضرير ( رواية ابن محرز 1/ 158)، وحماد بن أبي سليمان (رواية الدوري 3/ 433).
ولو كان على نحلتهم أو يميل إليهم لم يطلق هذا الوصف عليهم! وهل يصح له أن يصف من كان مرجئا بأنه على السنة؟!
3ـ أن ابن معين كان شيوخه وأصحابه ومن روى عنه من أئمة السنة كابن المبارك وابن عيينة وابن مهدي ويحيى القطان وعفان بن مسلم، وكأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وأبي خيثمة وأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي بكر بن أبي شيبة، وكالبخاري ومسلم وأبي زرعة وأبي حاتم وعثمان بن سعيد الدارمي، ولم يُنقل أنه خالفهم في شيء من الاعتقاد، ولو أنه خرج عن الاعتقاد الذي كانوا عليه ـ مع شهرته وجلالته في علم الحديث ـ فهل سيفوت هؤلاء كلهم ما وقع فيه من إرجاء، ويطبقون على عدم التنبيه على ذلك كما صنعوا مع غيره؟ بل إن موقف الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ حين تكلم فيه لما أجاب في فتنة القول بخلق القرآن ـ دليل على أنه كان على عقيدة أهل السنة، إلا ما كان منه في هذه الفتنة وهو فيها معذور لأنه كان مكرها، ولو كان يميل إلى الإرجاء لم يتردد في بيان خطئه، جريا على ما اطّرد عن أئمة الحديث من ذكر ما للمحدّث وما عليه؛ ولهذا الحافظ ابن حجر رحمه الله في ( هدي الساري) لم يذكره ضمن من رمي ببدعة الإرجاء، مع سعة اطلاعه وتقصيه.
ومن قرأ سيرة الإمام ابن معين، وما ذكر فيها من تزكية الأئمة له في الحديث والسنة أيقن أنه بريء من الإرجاء.
رابعا: فإن قيل: فما توجيه كلام ابن معين الذي ذكره الذهبي؟ فالجواب أن الإمام ابن معين على معتقد أهل السنة كما تقدم تقريره؛ وعليه فيجب أن ينظر فيما أسند إليه بما لا يتعارض مع هذا الثابت عنه، وذلك بطريقين:
الطريق الأولى: احتمال أن يكون في النقل خطأ من جهة الرواية بالمعنى، أو من جهة عدم سياق الكلام بتمامه، أو من جهة شذوذه.
الطريق الثانية: إثبات النص، وحمله على أحد معنيين:
المعنى الأول: أن يكون ابن معين  أراد رجالا مخصوصين قصدهم الحافظ أبو نعيم؛ لأنه يرى تحقق صفة الإرجاء فيهم، وابن معين لا يرى تحقق هذه الصفة فيهم، لاسيما إذا استصحبنا أن بعض العلماء أطلق الإرجاء باعتبار لازم القول، أو باعتبار وصف لم يجمع أهل السنة على أنه من مقالة المرجئة.
المعنى الثاني: أن يكون معنى الإرجاء ما يقابل التشيع؛ لحصول المقابلة بينهما هنا، فإن الشهرستاني في (الملل 1/ 138) لما ذكر ما قيل في معنى الإرجاء قال: (وقيل الإرجاء : تأخير علي رضي الله عنه عن الدرجة الأولى إلى الرابعة؛ فعلى هذا المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان).
وهذا المعنى الذي ذكره وإن كان أورده ممرضا، وهو على خلاف المشهور في تعريف الإرجاء الذي هو تأخير العمل عن مسمى الإيمان، و إن كان أيضا لا يمكن أن ينسب لأبي نعيم تفضيل علي على الشيخين، ولا أن ينسب إلى ابن معين الحكم بالسنة لمن يقدم عليا على الشيخين، إلا أنه يمكن أن يستفاد منه أن الإرجاء قد يطلق ـ على قلة وعلى خلاف المعهود ـ على تأخير علي عن عثمان رضي الله عنهما، وحينئذ تصح المقابلة، ويتوجه الكلام، فيكون أبونعيم وصفهم بالإرجاء لتأخيرهم عليا على عثمان ـ وهو الذي عليه جمهور أهل السنة، والأدلة تشهد له، خلافا لطائفة من المتقدمين الذين فضلوا عليا على عثمان، وخصوصا إذا استصحبنا ميل أهل الكوفة إلى التشيع، وأبو نعيم كوفي، ووصف ابن معين لهم بالسنة هو صادق فيه؛ لأنه هو القول الذي دلّت عليه السنة؛ فأراد بيان خطأ أبي نعيم في وصفه من فضل عثمان على علي بالإرجاء، وأن من فضل عثمان فقد أصاب السنة.    
خامسا: أما تعليق الحافظ الذهبي على كلام ابن معين فهو استنباط يصيب ويخطئ، ولم أقف له على سلف فيه، ثم إنه يحتمل أنه تراجع عنه بقرينة أنه وصفه في ( السير11/ 87) حين اعتذر عمن أجاب في محنة القول بخلق القرآن بقوله: ( وكان يحيى رحمه الله من أئمة السنة) والسير من أوآخر مؤلفاته، بل يحيل فيه على الميزان، وهذا مما يدل على تأخره عنه.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
كتبه/ عبدالعزيز بن محمد السعيد
9/ 7/1438هـ