يا فضيلة شيخ الأزهر: ماذا أبقيت لرسالة خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم ؟

يا فضيلة شيخ الأزهر: ماذا أبقيت لرسالة خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم ؟

يا فضيلة شيخ الأزهر: ماذا أبقيت لرسالة خير البشر
محمد صلى الله عليه وسلم ؟
الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
أما بعد فقد ألقى فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر كلمة في (مؤتمر مجلس حكماء المسلمين للحوار الحضاري في ميانمار ) ، وكنت أتمنى أن تكون هذه الكلمة مرتكزة على أصول شرعية، تظهر المعاني العظيمة، التي اشتمل عليها قوله تعالى في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] إلا أن هذه الكلمة ـ مع الأسف الشديد ـ جاءت وكأنها ـ إن لم تكن صريحة ـ تجعل الإسلام وغيره من الديانات على حدّ سواء، بما وقع فيها من أغلاط ومغالطات، تعزّز جانب الباطل، وتلبس الحق به. ولا شك أن هذا مهيع وخيم، كان الأجدر بشيخ الأزهر ـ وهو يرأس ما يسمى مجلس حكماء المسلمين ـ أن يرتفع عنه، ويكون حكيما فيما يتناوله من القضايا، على وفق الأصول والمقاصد الشرعية، المقررة عند علماء الإسلام؛ ليُحفظ الدين عن التحريف، وتبقى للإسلام هيبته، وتظهر قِيمُه بما فيها من الحكمة والعدل والرحمة والإحسان.
ومن المسائل التي تناولها الدكتور أحمد الطيب ـ وفقني الله وإياه للحق، وهدانا للصواب ـ في كلمته، ووجب التنبيه عليها، وبيان وجه الصواب فيها:
أولا: زعم شيخ الأزهر ( أخوة الأديان) واستشهد على ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول:(اللهم ربَّنا ورب كل شيءٍ، أنا شهيدٌ أنك أنتَ الرب وَحدَكَ لا شَريكَ لكَ، اللَّهُمَ رَبنا ورَبَّ كُلِّ شيءٍ، أنا شهيد أن محمداً عَبدك ورسولُك، اللهم ربنا ورب كلِّ شيءٍ، أنا شهيدٌ أن العبادَ كلَّهُم إخوة ).
وهذا الكلام فيه مناقشات:
1ـ أن الحديث الذي استشهد به أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وأبو يعلى وغيرهم من حديث داود بن راشد الطفاوي عن أبي مسلم البجلي عن زيد بن أرقم، وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف داود ، وجهالة شيخة ابي مسلم.
أن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله (الفتح 6/ 489): ( وأولاد العلات: الإخوة من الأب وأمهاتهم شتى...ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع، وقيل المراد أن أزمنتهم مختلفة). وهذا الحديث يدل على أن الأخوة إنما ثبتت باجتماعهم على التوحيد، وهو المذكور في قوله تعالى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]
ومن الإيمان بالله وتوحيده: الإيمان برسله؛ ولهذا من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أتباع الرسل السابقين فهو كافر بالله العظيم، ومكذب بجميع المرسلين؛ فتنتفي عنه الإخوة الدينية المذكورة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [الحجرات: 10] فإنه إذا تخلف وصف الإيمان لم يتحقق ما رتب عليه وهو الأخوة في الدين، كما يفهم ذلك ـ أيضا ـ من مفهوم الشرط في قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 11] ومن مفهوم الصفة في قوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} [التوبة: 71] وفي المقابل قطع الله ولاية المؤمن للكافر كما قال سبحانه: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } [المجادلة: 22]، بل جعل الكافر عدوا للمؤمن ونهى المؤمن عن موالاته فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: 1] والأدلة على هذا كثيرة معروفة.
وإذا تقرر هذا فكيف تكون الأخوة بين هذه الأديان والإسلام وهم يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ والإجماع منعقد على كفر من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما حكاه جماعة من العلماء منهم:
أبو محمد بن حزم في (الفصل 3 / 111) والقاضي عياض في ( الشفا 2/ 286) وشيخ الإسلام ابن تيمية في ( الجواب الصحيح 1/ 368، 3/94) وفي ( مجموع الفتاوى27/463، 28/ 524) .
وبهذا يتبين للمسلم أن الحديث الذي استشهد به شيخ الأزهر ـ لو صح ـ لم يكن فيه دليل على ما ذكر، بل يجب حمل الأخوة في قوله: (العباد كلهم إخوة) على أحد معنيين، إما الأخوة في أصل النسب، وهو كون الناس خلقوا من آدم، وإما الأخوة في الدين، ويكون المراد بالعبودية ـ حينئذ ـ العبودية الخاصة ، التي هي الإيمان بالله . انظر ( شرح أبي داود لابن رسلان 7/294).
ثانيا: أثنى الدكتور على ( بوذا) وعلى الديانة (البوذية) ، فذكر أن البوذية دين إنساني وأخلاقي في المقام الأول، وأن (بوذا) الحكيم الصامت من أكبر الشخصيات في تاريخ الإنسانية، وكان من أبرز صفاته الهدوء والعقلانية وشدة الحنان والعطف والمودة، وأن كبار مؤرخي الأديان في العالم كله يصفون رسالته بأنها دين الرحمة غير المتناهية.
وهذا الكلام عليه مؤاخذات، منها:
(بوذا) لم يثبت بطريق صحيح أنه نبي أو رجل صالح، بل في كلامه ما يدل على إلحاده، كما ذكره الدكتور عبد الله مصطفى نومسوك في كتابه ( البوذية ص154) عن معظم الباحثين، وما وقع في كلامه من بعض الحكم الموافقة للحق لا يعني صحة ما هو عليه، فإن كان الدكتور يرى نبوته ـ كما هو ظاهر سياقه ـ أو صلاحه؛ فليثبت ذلك من طريق صحيح، ولن يجد إلى ذلك سبيلا، ولو سلمنا جدلا أنه نبي فدينه منسوخ، أو سلمنا أنه رجل صالح فإنه على دين سابق منسوخ بالإسلام.
تنبيه: ذكر القاسمي (ت 1332هـ )في تفسيره ( محاسن التأويل9/502) في تفسير سورة (التين) عن بعض المعاصرين أنه صحح نبوة (بوذا). وكذا قال به د. محمد توفيق صدقي في كتابه ( الصلب والفداء) ولا شك أنه قول باطل، ليس عليه أثارة من علم، ولم يقل به أحد من أئمة الهدى وعلماء الإسلام.انظر كتاب ( البوذية لنومسوك ص159)
هذه الصفات التي ذكرها عن ( بوذا ) ليس لها مصدر إلا أتباعه، أو كتب التواريخ التي لا تميز الصحيح من الضعيف والغث من السمين، أوملاحدة الفلاسفة، أفهكذا تبنى الأحكام على شيء لم يثبت؟!
3ـ سياق كلام شيخ الأزهر الإقراري لما نقله عمن سماهم كبار مؤرخي الأديان الذين يصفون رسالة بوذا (بأنها دين الرحمة غير المتناهية) فيه هضم للإسلام، ورسالة سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه ليس ثمة شرعة أحق بهذا الوصف من شريعته صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] وهذا مما لاخلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام، ولا شك أن إعطاء هذا الوصف لرسالة (بوذا) معناه مساواتها برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، إن لم يكن تفضيلا للبوذية على الإسلام؟! ولا يرتاب عوام الأمة فضلا عن علمائها بأن هذا من أبطل الباطل، وأعظم الضلال.
وأما أتباع (بوذا) فهم وثنيون، منهم من زعم أن روح الإله قد تجسدت فيه؛ حتى صار إلها؛ فعبدوه من دون الله، ومنهم من زعم أنه إنسان مقدس ارتقى إلى مرتبة أعلى من مرتبة الإلهية؛ فعبدوه، مع اعتقادهم بخرافة أن يكون هناك خالق مدبر لهذا الكون؛ فهم ملاحدة. فهل يستحق من كان يكفر بالله العظيم هذا الثناء؟
فإن قال قائل: إن الذي حمل شيخ الأزهر على الثناء على ( بوذا) هو إرادة استمالة أتباعه للحق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم قولته الشهيرة في حلف الفضول، وكان حلفا في الجاهلية، فالجواب أن الذي قاله شيخ الأزهر ليس ثناء على قضية معينة وافق أهلها فيها الحق، كما في حلف الفضول، ولكنه ثناء مطلق، وتعبير بعبارات لا تحتمل التأويل، كنقله في وصف رسالة (بوذا) ـ دون أي تحفظ ـ :(دين الرحمة غير المتناهية).
ثالثا: صادَر شيخ الأزهر ما شرعه الله من الجهاد في سبيله، وأنزل الآيتين الكريمتين على غير موضعهما({لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] وقال: ( وليس بين المؤمن والكافر إلا الدعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة، ثم ترك كل واحد منهما حبل صاحبه على غاربه) .
والكلام بهذه الطريقة الحصرية يتناقض مع المتواتر من أدلة الكتاب والسنة وإجماع العلماء؛ فكان على شيخ الأزهر أن يبين حقيقة الجهاد في الإسلام وشروطه ومقاصده، وما يتضمنه من الرحمة والخير للبشرية كلها، لا أن يصادره بالكلية، كما كان من الواجب عليه أن يبين لهم فضل الإسلام، ويدعوهم لاتباعه، كما أمر الله بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، وأمته تبع له، فقال سبحانه: ({قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [الأعراف: 158].
هذه بعض الملحوظات على كلمة فضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وتركت جملة منها ،كعدم تفريقه بين الخلق والأمر، واستدلاله بما لم يثبت...، رجاء أن يكون فيما ذُكر تنبيها للمسلمين على ما لم يذكر، وأن هذه الكلمة تحتاج إلى مراجعة دقيقة، حذرا من الوقوع فيما لا يرضي الله جل وعلا، أو يكون سببا في تحريف أدلة الكتاب والسنة.
وقد يقول قائل: إن شيخ الأزهر تجوّز في الكلام بقصد تخفيف وطأة البوذيين على المسلمين في (ما نيمار) والجواب عن ذلك من وجهين:
الأول: أن الكلمة ألقاها الدكتور مكتوبة فكان بإمكانه صياغة ما يحقق ذلك دون أن يقع في مثل هذه الأخطاء الشنيعة المتعلقة بأصل الدين.
الثاني: أنه لو لم يُستدرك عليه من أهل المعرفة لظن من يجهل الأمر من المسلمين أنه هذا هو الحق الذي يجب اعتقاده مطلقا، أو اتخذه أهل الأهواء شاهدا على ما يسعون إليه من إبطال الحق، ومحادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والطعن في أهل السنة المستمسكين بها حقا.
أسأل الله أن يوفق شيخ الأزهر وعلماء المسلمين لبيان الحق، وأن ينفعني وإياه والمسلمين بما كتبت، وأن يختم لنا جميعا بخاتمة الخير، وأن يعيذنا من الفتن، ويلهمنا رشدنا، ويثبتنا على السنة والإسلام، ويعجَل بفرج إخواننا المضطهدين في بورما، ويكفيهم شر عدوهم، ويجمعهم على الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
كتبه/ عبد العزيز بن محمد السعيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
في 7/ 4/ 1438هـ