تضعيف القول بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر

تضعيف القول بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر

تضعيف القول بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه، أما بعد؛ فقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر بدلًا من الطعام؛ بحيث يقوّم الطعام وتخرج قيمته نقدًا، خلافًا لجمهور العلماء، الذين يمنعون ذلك، ويوجبون إخراج الطعام.
والقول بجواز ذلك عليه إشكالات تضعّفه، وبيان ذلك من وجوه:
أحدها: أن الثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أمره بإخراج الطعام في صدقة الفطر، كما في حديث ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ, صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ, وَالذَّكَرِ, وَالْأُنْثَى, وَالصَّغِيرِ, وَالْكَبِيرِ, مِنَ الْمُسْلِمِينَ...) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فهذا فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم وبيانه-، والأصل في العبادات التوقيف في أصلها وصفتها، فلا يتعبد الله بقربة إلا بدليل، وإذا وردت على صفة في كيفيتها وقدرها وزمانها ومكانها، وجب فعلها على الصفة الواردة، ولا يجوز تجاوز ذلك بزيادة أو نقص أو تغيير؛ لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
الثاني: وإذا تقرر أن السنة الثابتة إخراج الطعام، فالقول بجواز إخراج القيمة يفتقر إلى الدليل، وليس ثمة دليل صحيح يمكن الاعتماد عليه، حسب علمي.
والزكاة فريضة بيقين، فوجب فعل ما تؤدّى به على وجه متيَقّن، تبرأ به الذمة، ويسقط به الطلب، ولا يكون ذلك إلا بما جاءت به السنة، وإلا كان المسلم مخاطرا بهذه الفريضة العظيمة.
الثالث: فإن قيل: إن المقصود بهذه الصدقة إغناء الفقراء في يوم العيد، وذلك يحصل بالقيمة كما يحصل بالطعام، بدليل حديث: (أغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْم)، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
فجوابه كما يلي:
١- الحديث المذكور لا يصح؛ فقد رواه الدارقطني وابن عدي من حديث أبي معشر نجيح بن عبدالرحمن السندي عن نافع عن ابن عمر مرفوعا، وهو حديث منكر؛ تفرد به أبو معشر وهو متروك عن نافع.
ورواه ابن سعد في الطبقات من حديث أبي سعيد وعائشة وابن عمر رضي الله عنهم، وفي سنده الواقدي، وهو متروك.
٢- أن إغناء الفقراء ليس هو كل المقصود من الزكاة، بل هو أحد المقاصد، بدليل حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ; طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ, وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ) أخرجه أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم على شرط البخاري، كما يدل على ذلك أن الله لما ذكر مصارف الزكاة لم يقصر ذلك على الفقراء والمساكين فقال:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ}، وفي هؤلاء مَنْ لم يُعط من أجل فقره، بل لمعنى آخر.
وعلى هذا فإن من أجاز إخراج القيمة نَظَر إلى العلة المتعلقة بالآخذ فقط، وأناط الحكم بذلك، ثم زعم أن إخراج القيمة يحصل به المقصود من الزكاة، وأهدر العلة المتعلقة بالمعطي وهي كونها ( طهرة للصائم من اللغو والرفث)، وفي هذا إلغاء لما اعتبره الشارع، ومصادرة لما أثبته، وفساد هذا معلوم بالضرورة.
٣- فإن قيل إن التطهير للصائم يحصل بالقيمة كما يحصل بالطعام، فجواب ذلك:
أن التطهير يتعلق به شيئان: الآلة، والكيفية، والطعام هو آلة التطهير في صدقة الفطر، فكما أن الماء والتراب لا تحصل الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر إلا بهما؛ لأنهما الآلة التي عيّنها الله، فكذلك التطهير في الزكاة لا يحصل إلا بآلته التي عيّنها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي الطعام.
ثم إن تزكية النفس لا تحصل إلا إذا انقلب المكلف مع الدليل، وأخذ به، ووافقه، وليس بانقلابه عليه، ومخالفته له، وذلك هو التسليم الذي أراده الله من عباده، وبه تحصل التزكية، فإذا أخرج المكلف الصدقة مما عيّنه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد وافق الله في أمره، وذلك أساس التقوى، وهو مقصود للشارع، بل قد يقال: إن هذا هو الأصل في الزكاة لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا }، ومن لحظ هذا المعنى الأخير، مع اختلاف الزكاة في أجناسها ومقاديرها، استبان له أن أعظم المقاصد في التعبد بالزكاة هو امتحان قلوب العباد؛ ليعلم الله من يذعن ويُسلّم، ومن يعرض، أويعارض، ويشهد لهذا قوله تعالى: { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}.
٤- أنه يلزم القائل بهذا طرد الحكم في كل طعام أضافه الشارع إلى المسكين، كما في فدية الصيام، وفدية الأذى في الحج، وكفارة الظهار، وجزاء الصيد، وكفارة اليمين.
وبيان ذلك أن إضافة الطعام إلى المسكين تدل على أن إعطاءه لأجل المسكنة، وسدّ حاجة المسكين كما تكون بالطعام فإنها تكون بقيمته.
وهذا خطأ؛ فإن كان القائل بالجواز لا يلتزمه فأي فرق بينه وبين جواز إخراج القيمة في صدقة الفطر؟ وإن كان ممن يقول به فهذا مصادرة لما نص عليه الشارع بغير دليل.
٥- ومما يردّ هذا أن استقراء الأدلة يدل على اختلاف ما يقابل الصاع مما يكون بدلًا عنه، فمثلًا في حديث كعب بن عجرة -رضي الله عنه- في فدية الأذى قوبلت ثلاثة آصع بالشاة، وفي كفارة اليمين جعل مقابل إطعام عشرة مساكين تحرير رقبة، وفي كفارة الظهار والوطء في رمضان جعل إطعام ستين مسكينا مقابلا لتحرير رقبة، وأعلى ما قيل في الإطعام أنه صاع لكل مسكين .
وإذا تقرر هذا فيقال: لما اختلف التقدير عُلم أنّ لما ترتب عليه الحكم أثرا في هذا التقدير، ويقال حينئذ لمن جوّز إخراج القيمة في صدقة الفطر: إمّا أن يكون التقدير بواسطة هذا المقابل، وهذا ممتنع للاختلاف المذكور؛ وإما أن يكون بالنقد مباشرة فلا دليل عليه، بل إن هذا الاختلاف يمنع التقويم.
ومحصَّل هذا أنه لما اختلف التقدير علم أن الطعام مقصود للشارع؛ فامتنع إخراج القيمة؛ فعاد الأمر إلى ما نصّ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبطل القول بجواز إخراج القيمة.
الرابع: قول بعضهم: إن القيمة أنفع للفقراء محجوج بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولو كان أنفع لجاء بيانه ولو إشارة، وقد قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} ، وقال: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} وقال : {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
ثم إن هذا التعليل بكونه أنفع الفقراء قد تقدم في الوجه الثالث منعه ونقضه.
كما أنه لا يُسلم بأنه أنفع إذا لُحظ عموم التشريع زمانا ومكانا، واختلاف الأحوال من الرخص والغلاء، وكثرة الطعام وقلته، واختلاف الفقراء من جهة التصرف فيما يقع في أيديهم، فمنهم من يحسن إدارته، ومنهم من لا يحسن؛ فجاء الشرع بفرض الطعام صدقة مراعاة لتوفير هذه الحاجة في يد الفقير، وهو بعد قبضه للطعام يجوز له أن يبيعه أو يدخره.
والخلاصة:
١- وجوب إخراج زكاة الفطر طعاما.
٢- أن التعليل الذي بني عليه جواز إخراج القيمة عليل، لا يصح أن تترك السنة الصحيحة الصريحة من أجله.
٣- أن من أخرج الزكاة من الطعام كما جاءت به السنة، برئت ذمته، وأدّى الواجب عليه، بخلاف إخراج القيمة.
هذا ما تيسر ذكره، والعلم عند وحده، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
 
كتبه/ عبدالعزيز بن محمد السعيد
27/9/1436