الدلائل على بدعة ترتيل كلام البشر مع القرآن العظيم في الدعوة إلى الله

الدلائل على بدعة ترتيل كلام البشر مع القرآن العظيم في الدعوة إلى الله

الدلائل على بدعة ترتيل كلام البشر مع القرآن العظيم في الدعوة إلى الله
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
أما بعد؛ فقد اتخذ بعض الناس أسلوبًا في الدعوة إلى الله تعالى، صورته أنه يرتِّل كلام الله، ثم يرتل كلامًا من كيسه وإنشائه، ثم يسأل الكافِرَ الأعجمي الذي لا يعرف من العربية شيئًا أيُّ الكلامَيْن أبلغ تأثيرًا في نفسه؟ زاعمًا أن ذلك يؤثر على المدعوِّ، كما أنه يَلفت نظرَ غيره إلى عظمة القرآن العظيم، وقد نشر ذلك في مقاطع مرئية متداولة بين الناس.
وهذا العمل شرعة محدَثة، وخروج عن سواء السبيل، وجهل بسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وبيان ذلك في الآتي:
أولًا: هذا الأسلوب الدعوي ـ كما يزعم فاعلوه ـ ليس له مستند من السنة النبوية ولا الآثار السلفية ـ فيما أعلم ـ وفاعله مطالَبٌ بإقامة البرهان على صحة فعله، وإلا كانت المخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم والإحداث في دين الله، وقد قال تعالى: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148].
ومما يؤكد أنه محدَث ثلاثة أمور:
أولها: أن الذي أمر الله به رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو إبلاغ القرآن، وتلاوته على الناس، ودعوتهم إليه، وتذكيرهم وعظتهم به، كما في قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]، وقوله: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغ} [الشورى: 48] وقوله: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92)} [النمل: 91، 92] وقوله:{ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } [ق: 45]
وثانيها: أن الله علّق الانتفاع بالقرآن على الاستماع له والإنصات والتدبر، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]. {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]، فدلّ هذا على أن الانتفاع حاصل بالقرآن وحده، وليس بانضمام غيره إليه من كلام البشر.
وثالثها: أن الله جلَّ وعلا ذكر أن في القرآن كفاية عن كل آية، حين تعنت المشركون وطلبوا آيات شاهدة على صدق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما ذكر الله عنهم في قوله: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ َ}، ثم ردّ عليهم بقوله: { قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت:50، 51]. وقوله: (يُتْلَى عَلَيْهِمْ) حال من الكتاب، وهذا يدل على حصول الكفاية بتلاوة القرآن عليهم، فمن شفع هذا بتلاوة كلام البشر معه، فقد زعم أن الكفاية لا تحصل بهذا القرآن العظيم وحده، وهذا ـ كما ترى ـ خلاف هذه الآية.
وحسب المؤمن المتَّبع أن ينتهي إلى ما سمع من العلم الموروث، ولا يطلب وراءه شيئًا، وإلا كان قائلًا على الله بلا علم، واقعًا فيما حرمه الله بقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وقوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].
والذي بلغنا عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس فيه شيء من هذا المحدَث، وكأن هذا المحدِث لهذه الطريقة يرى عدم كفاية ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الانتفاع لا يحصل بما ذكره الله، لا سيما وأن المقتضي كان قائمًا في عهده عليه الصلاة والسلام ولم ينقل لنا أنه فعله ولو مرة واحدة، مع أنه مكث ثلاثة وعشرين عامًا يبلغ رسالة الله!
وقد يقول قائل: إنما جاز هذا للمصلحة التي تُرتجى من هذه المقارنة، ولم يكن لمجرد المقارنة؟! فجوابه: أن هذا الفعل لو كان فيه مصلحة راجحة لم يدعه سيِّد البلغاء ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ولم يفت الصدر الأول من الصحابة والتابعين؛ حتى يظفر به نزر من المعاصرين، ممن تبعوا العواطف والرأي، دون الشرع، بل تركهم له يدل على عدم مشروعيته، وأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، كما يدل على أن هذه المصلحة متوهمة وليست بحقيقية، وأن المفاسد التي يتضمنها هذا الأسلوب المحدَث تربو على مصلحته إن كان فيه مصلحة. 
ثانيا: المسألة تتعلق بصفة من صفات الله ـ سبحانه وتعالى ـ إذ القرآن المجيد من كلامه، وكلامه صفته، وإجلال الله وتعظيمه وتنزيهه من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة، وهذا الفعل وإن لم يقصد به صاحبه مضاهاة كلام الله، إلا أن صورة المضاهاة واقعة فيه، ومضاهاة صفات الله لا تجوز جِدًّا ولا هزلًا، وكل شيء أوهم المضاهاة لله فيجب الكف عنه، ومنعه؛ تعظيمًا لله، وتنزيهًا له.
ولو أجيز هذا الفعل في كلام الله لجاز ذلك ـ أيضًا ـ في علمه، وسمعه، وبصره، وسائر صفاته! ـ سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا ـ! وقد دلَّ على حرمته ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي زُرْعَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ، فَرَأَى أَعْلاَهَا مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (قَالَ اللَّهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً).
ثالثًا: المقارنة بين أبلغ الكلام وأفصحه (وهو كلام الله) وكلام المخلوق ـ أيًّا كانت بلاغته ـ فيه تنقُّصٌ للقرآن، فكيف بهؤلاء الذين يأتون بكلام خال عن البلاغة والفصاحة! بل ضعيف في تأليفه، ركيك في أسلوبه، غير مطابق لمقتضى الحال!! وقد قال الأول:
متى ما أقلْ مولاي أفضل منهم *** أكن للذي فضلته منتقصا
ألم تر أن السيف يزري به الفتى *** إذا قال هذا السيف أمضى من العصا
رابعًا: لا شكَّ أن للقرآن تأثيرًا؛ ولهذا كان المشركون يتنادون بترك سماعه، كما أخبر الله عنهم في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26]، على أن هذا التأثير والتأثُّر لم يكن لمجرد سماع صوت القارئ من غير إدراك للمعنى، بل كان القوم عربًا فصحاء يفهمون الخطاب القرآني على أحسن وجه، وبذلك أقيمت الحجة الرسالية عليهم، فقال الله تعالى ـ إمتنانًا عليهم، وإلزامًا لهم ـ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، قال ابن جرير الطبري رحمه الله: (يقول تعالى ذكره: إنا أنزلنا هذا الكتاب المبين، قرآنًا عربيًّا على العرب، لأن لسانهم وكلامهم عربي، فأنزلنا هذا الكتاب بلسانهم ليعقلوه ويفقهوا منه)، وقال: { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3]، وقال سبحانه: { وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه: 113]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحجة أقيمت على العرب لكون خطابهم باللسان الذي يعرفونه، ولو كان بغيره لوجدوا إلى الاعتراض عليه سبيلًا كما قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44]، وروى ابن جرير الطبري عن السُّدِّي قال: (يقول: بُيِّنت آياته، أأعجميٌّ وعربيٌّ، نحن قومٌ عرب ما لنا وللعجمة؟!). لهذا جرت سنة المسلمين منذ الصدر الأول حتى يوم الناس هذا على دعوة من لا يعرف اللغة العربية إلى الإسلام بترجمة معاني القرآن الكريم له، وليس بتلاوة القرآن عليه فحسب، ويشهد له لهذا ما في الصحيحين في قصة هرقل، من حديث ابن عباس عن أبي سفيان رضي الله عنهما أن هرقل دعا ترجمانه، ثم دعا بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ عبد الله ورسوله، إلى هرقل، و: {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] الآية). والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا العرب بمعاني ألفاظ القرآن ودلالات تراكيبه، لا بمجرَّد تلاوته عليهم، ودعوة غير العرب كذلك بالمعاني المقصودة؛ ولهذا جاء الثناء على المتبعين له، العاملين بما فيه، ولا يكون ذلك إلا بعد معرفة معناه، كما قال تعالى:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } [البقرة: 121].
خامسًا: رغم أن العرب سمعوا قرآنًا يُتلى بلسانهم العربيِّ، هم أعلم الناس به، وأشدهم تذوقًا لألفاظه ومعانيه؛ إلا أن تأثير القرآن فيهم لم يكن عامًّا في كل أحد؛ فليس كل من تلي عليه القرآن تأثر به، بل منهم من يتأثر، ومنهم من لا يتأثر؛ لوجود المانع من ذلك، وقد بيَّن الله ذلك في آيات كثيرة، كما قال: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 124، 125] وقال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] وقال: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83]، وقال: { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ } [فصلت: 3 - 5] وقال: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} [الحج: 72] وقال: { وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ } [الانشقاق: 21] وقال: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ } [فاطر: 42، 43] وقال: { وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } [الإسراء: 45، 46] وقال: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ } [الأنبياء: 2، 3] وقال: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } [الجاثية: 9] وفي صحيح البخاري عن جبير بن مطعم ـ رضي الله عنه ـ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ} كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ. وفي رواية له: وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي.
وإذا لم يكن التأثر حاصلًا مطلقًا؛ فلا يصحُّ جعله معيارًا لكون القرآن حقًّا؛ لأنه لو كان كذلك لم يتخلَّف عن أحد، ولكان ـ حينئذٍ ـ نظير التحدي، إذ قطع الله أنه لم يأت أحد ولن يأتي بمثل القرآن أو سورة منه، كما قال ـ سبحانه ـ: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 23، 24] وقال ـ جل شأنه ـ : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] وقال سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13] وقال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 38]؛ ومن أجل هذا ذكر العلماء أن هذا التحدي آية قاطعة على إثبات نبوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم تظهر معارضته أو محاكاته من أعدائه، وقد كانوا فرسان البلاغة والفصاحة، يهيمون بها في كل واد، بخلاف سماعهم للقرآن؛ فإنهم قد أعرضوا عما يدعوهم إليه، وإن كانوا قد خضعوا للفظه ونظمه، وفصاحته وبلاغته، ودلالاته وأخباره، لكن لا على جهة الإيمان بأنه من عند الله، بدلالة أنهم وصفوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه ساحر وكاهن، وشاعر، ووصفوا القرآن بأنه سحر، وأساطير الأولين، وقول البشر، وبدلالة تصريحهم بالكفر به، كما في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف: 30] وقوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} [القصص: 48].   
وإذا تقرر هذا:
1ـ  علم أن الاعتراف بعظمة القرآن وجلاله لا يعني الإيمان به، ولا بالمرسل به، وهو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (وهو ثمرة التأثر)، وهذا كما حصل عند الأولين من الكفار، كذلك هو حاصل عند المتأخرين منهم، سواء أكان عدم الإيمان جحودا أو عنادا أو استكبارا أو تكذيبا، ويحقق هذا قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [إبراهيم: 4]، (والمعنى أن الإرسال بلسان قومه لحكمة التبيين. وقد يحصل أثر التبيين بمعونة الاهتداء وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبين لهم) [التحرير والتنوير: 13/188].
2ـ وإذا علم تشابه الحال أو تماثله بين الكفار الأولين والمتأخرين، ولم يلجأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى هذه الطريقة، علم بطلانها.
فإن قال قائل: لم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأن المخاطبين في ذلك العصر كانوا عربًا أقحاحًا، بل منهم من يملك ناصية البيان والفصاحة؛ فلم تدع الحاجة إلى ذلك؛ لاستيلاء اللسان العربي على تلك البيئة، بخلاف من ندعوهم اليوم فهم ليسوا كذلك بل فيهم العجم؛ فيذكر لهم الكلام العربي المرتل، ويذكر لهم القرآن مرتلًا؛ ليستبين لهم الفرق؛ فيكون التأثر.
وجوابه: أن كلامهم هذا حجة عليهم؛ إذ يدل على أن مجرد سماع الصوت ليس هو  مناط التأثير، بل التأثير تابع لنظم القرآن وتأليفه، ودلالته ومعانيه؛ ولهذا غير العربي وغير البليغ لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن [معترك الأقران للسيوطي 1/7]، فيكون هذا الاعتراض في غير موضعه، بل هو حجة عليهم وليس لهم؛ لأن العرب قالوا مقالتهم في القرآن بعد معرفة لفظه ومعناه، بخلاف هؤلاء الذين صوروهم في المشاهد المرئية؛ فهم أعاجم لا يعرفون لفظ القرآن ولا معناه، ولو كانوا عربًا أو يتكلمون العربية فذلك لا يعدو النطق بها، دون أن يكون لهم معرفة بأساليبها وبيانها ومراتبها، وإذا لم يكن المناط هو سماع الصوت تعيَّن أن يكون المناط هو النظم واللفظ الدال على ما تحته من المعاني والأخبار وأوجه إعجاز القرآن وعظمته، لكن مع استصحاب ما تقدم من عدم التلازم بين الاعتراف بجلال القرآن وعظمته والإيمان به.  
وواقع المدعوين من الأعاجم وأشباههم، إنما قدموا القرآن على غيره بمجرد سماعهم للصوت فحسب، وقد تقدم أنه ليس هناك ما يشهد له؛ فبطل الاستدلال به على تأثير القرآن بمجرد سماع صوت القارئ به؛ لاحتمال أن يكون المؤثر هو الصوت بقطع النظر عن مصدر الكلام، أو يكون المؤثر هو الكلام نفسه بقطع النظر عن الصوت.
 كما أن هذا الفعل قد يعود على القرآن بالقدح؛ لأن هذا الفعل إما ان يكون قائمًا على نص من القرآن أو السنة، وإما أن يكون معلومًا بالاستقراء الذي تصح به النتيجة (وهي جواز هذا الفعل)، فأما الأول: فقد تقدم أنه لم يدل دليل على ذلك، وأما الثاني: فيحتاج إلى مقدمات للوصول إلى النتيجة، ودون ذلك خرط القتاد؛ لأن الاستقراء هنا متعذّر أو محال؛ لحاجته إلى أمور كثيرة لا يمكن توافرها بين يدي القائم بالاستقراء، فمنها مثلًا: تعدد الزمان، واختلاف المكان واللغات، والتمايز في مستوى اللغة العربية، واختلاف طبيعة الكفار في قبول الحق قربًا وبعدًا، وعرض القرآن بدون ترتيل مع عرض الكلام الآخر مرتلًا، وترتيل القرآن بصوت أقل حسنًا من ترتيل الكلام، وترتيل القرآن من شخص والكلام من شخص آخر...الخ. وإذا لم يكن شيء من ذلك فهذا الصنيع تهوُّرٌ محضٌ، ومسلك عار عن الدليل، وكل دعوى لم يقم عليها أصحابها بينات فهم أدعياء.
3ـ وإذا علم أن التأثر بالقرآن غير مقطوع به لم يجز الإقدام عليه لئلَّا يكذب الله ورسوله.
4ـ وإذا علم بطلان هذا الأصل ـ وهو القطع بالتأثر ـ فلا يجوز التفريع عليه، إذ كيف يبنى على أصل لم يثبت شرعًا! وهؤلاء قطعوا بالأصل، ثم فرعوا عليه المقارنة، وأرادوا جعلها سبيلًا يسلكه الداعي إلى الله.
سادسا: يقال للذين يستعملون هذا الأسلوب: هل تأثير القرآن ناشئ عن المقارنة بكلام البشر، أو القرآن مؤثر استقلالًا؟ فإن قالوا بالأول فقد كذبوا وافتروا على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن قالوا بالثاني، فيقال لهم: ألا يسعكم ما وسع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه  رضي الله عنهم ؛ إذ بلغوا القرآن، وأقاموا به الحجة، ولم يصنعوا مثلكم؟!    
سابعا: هذا الأسلوب يفتح باب الطعن في كتاب الله من الملاحدة والمنافقين والعلمانيين، ويفتح باب الشك في كلام الله على الجهال، وهذا شأن كل محدَثة في الدين، كما حصل حين فضل بعضهم كلام البشر على كلام الله حين عرضا عليه ـ في مقطع مرئيٍّ متداول ـ، ولو أن وسيلة إعلامية أجرت استفتاء حول المؤثر من الكلامَيْن؛ فكانت نتيجته اختيار كلام البشر؛ فما جواب هؤلاء الذين يستعملون هذا الأسلوب؟! ولو عرض كلام لرجلين مختلفين على أحد من الناس ففضل أحدهما على الآخر، أو أخبر أن أحدهما أبلغ تأثيرًا عليه؛ فهل سيقال: إن هذا الكلام الذي فضله حقٌّ؟! إلى غير ذلك من المفاسد الخطيرة، واللوازم الباطلة، التي ينتجها هذا الأسلوب المحدث.
ثامنا: استشكالان  والجواب عنهما.
قد يقول قائل: هناك أمران يدلان على جواز هذا الفعل:
أحدهما: تلاوة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه على النجاشي وأساقفته صدر سور مريم، فلما سمعوا ذلك بكوا، تأثرا بهذا القرآن المجيد، ولسان الحبشة ليس هو اللسان العربي.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الأول : ليس في القصة نفيُ ترجمةِ ما تُلي عليهم، فإذا ضم هذا مع قوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [إبراهيم: 4] تبين أن الأصل هو البيان، ولا يتم ذلك لغير العرب إلا بعد أن يترجم لهم ما نزل الله؛ حتى تقوم عليهم الحجة .
الثاني: كونهم من الحبشة لا يعني ذلك عدم معرفتهم باللسان العربي، ولا سيما أن الحبشة ليست ببعيدة عن جزيرة العرب، فإذا أريد الاحتجاج بالقصة فلا بد من إثبات عدم معرفتهم باللسان العربي، وظاهر القصة أنه لم يكن ثمة مترجم، بل كان خطابه للمهاجرين مباشرة، وخطابهم له مباشرة؛ لأنه جاء فيها (مسند أحمد 3/ 265) من حديث أم سلمة رضبي الله عنها ( فَقَالَ ـ النجاشي ـ  مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ؟... قَالَتْ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَال لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ... فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ... فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ... قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ (كهيعص) قَالَتْ: فَبَكَى وَاللَّهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تَلَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ)
الثالث: بقطع النظر عن الترجمة وعدمها فإن قول النجاشي رحمه الله : (وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَالْكَلَامَ الَّذِي جَاءَ مُوسَى لَيَخْرُجَانِ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ) يدل على أن التأثر حصل بمعرفة المعنى لا بمجرد اللفظ؛ لأنه لو لم يكن عرف المعنى لم يصح هذا القول منه؛ لا ختلاف لغة التوراة عن لغة القرآن.
الرابع: تقدم في ( رابعا، وخامسا) أن القرآن قد يؤثر وقد لا يؤثر، وقصة النجاشي ليس فيها إثبات تأثير القرآن على كلّ من تلي عليه، ولكنها واقعة عين، ووقائع الأعيان لا عموم لها.  
الخامس: القصة فيها تلاوة القرآن على النجاشي ومن معه، وليس فيها تلاوة كلام آخر غير كلام الله؛ فالقصة ليس فيها شاهد لهؤلاء على صنيعهم، بل فيها ما يثبت خلافه ، ويدل على بطلان فعلهم.
والاستشكال الآخر: هو أن العلماء رحمهم الله  قارنوا بين ما جاء في القرآن وبعض أساليب العرب، وفصيح كلامهم وأمثالهم، ومن أشهر ذلك عند المفسرين والبلاغيين والأدباء، المقارنة بين قوله تعالى: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة: 179] وقول العرب: ( القتل أنفى للقتل) .
والجواب عنه أن أولئك العلماء ذكروا الآية مضافة إلى الله، والمثل منسوبا إلى العرب، ولم يبهموا القائل في كل منهما، وبيّنوه لعارف باللسان العربي، ولم يكن خطابهم للأعجمي، ولم يخرجوا الآية والمثل على كيفية واحدة مرتلة، وقصدوا إلى إظهار عظمة القرآن في بيانه، وأنه لا يقاربه أي بيان فضلا عن أن يماثله، ولم يكن كلامهم منصبا على اللفظ فقط، بل كان كلامهم في إظهار إعجاز القرآن في لفظه ومعناه، الذي تحدى الله به الجن والإنس، وهذا بخلاف الذين ابتدعوا هذا الأسلوب في الدعوة إلى الله؛ فلا يصح حينئذ أن يقال: إنهم تبعوا من تقدمهم من العلماء؛ لوجود هذه الفوارق، بل يقال : إنهم جمعوا بين الإحداث والمخالفة لمن تقدممهم، ويظهر ذلك جليا إذا علمت ـ أيها القارئ الكريم ـ أن هؤلاء المتأخرين رتبوا سؤالا على ترتيل كلام الله وكلام البشر، هو كالمقدمة للنتيجة، وقد تكون النتيجة صوابا أي يذكر المسؤول أن كلام الله هو الأبلغ تأثيرا، وقد تكون النتيجة خطأ إذا ذكر أن كلام البشر هو الأكثر تأثيرا عليه، وهذا ليس دفاعا عن القرآن، ولا بيانا لإعجازه، بل هو طريق للتشكيك في القرآن، بناء على هذه المقدمة الفاسدة، كما تقدم بيان فسادها في الأوجه السابقة.
تاسعا: ذكر أهل العلم وجوها كثيرة من إعجاز القرآن التي شهدت بصحتها الدلائل والبينات، وما فيهامن  تقرير ربوبية الله ووحدانيته، والمبدأ والمعاد، وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، وكمال ما جاء به، إلى غير ذلك من الأمور التي يحتاج إليها في الإيمان والدعوة إلى الله، مقرونة بالدلائل اليقينية، والبراهين العقلية، فعلى الداعي أن يأخذ بمأخذ العلماء، ويسلك سبيلهم؛ فإنهم أعمق علما، وأنفذ بصيرة.
وعلى من ابتلي بهذا الأسلوب أن يُراجع نفسه، ويسلك هدي محمد صلى الله عليه وسلم  في الدعوة إلى الله؛ فإن خير الهدي  هدي محمد صلى الله عليه وسلم  ولا يفتح على نفسه وعلى المسلمين باب ضلالة، يبوء بإثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة.
وعلى المسلمين أن يتثبتوا في دينهم، وأن لا يعينوا على ترويج الباطل الذي يُؤخذون به من حيث لا يشعرون، وذلك بطلب الدليل المصحّح للفعل، على حدّ ما أرشدهم الله إليه في قوله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [البقرة: 111].
أسأل الله أن يوفقنا للحق، ويهدينا إليه، ويثبتنا عليه، ويحفظ علينا ديننا، ويسدّد دعاة المسلمين، ويرينا وإياهم الحقَّ حقًّا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه/ عبد العزيز بن محمد السعيد
19/ 9/ 1437هـ