الحلقة: الخامسة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
أما بعد فروى الإمامان البخاري ومسلم رخمهما الله بأسانيدِهما عن محمد بن شهاب الزهري عن مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيّ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ - أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمي فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ، وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّي فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذُه([1]) مُصَلًّى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللهِ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَكَبَّرَ فَقُمْنَا فَصَفَّنَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّم،َ قَالَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ (وهي نوع من الطعام) صَنَعْنَاهَا لَهُ، قَالَ: فَثَابَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ ، أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لاَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لاَ تَقُلْ ذَلِكَ، أَلاَ تَرَاهُ قَدْ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ ، وَهْوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ ( أي أشرافهم) - عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ.
وفي رواية لهما قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّوم،ِ فَأَنْكَرَهَا عَلَيَّ أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا قُلْتَ قَطُّ، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَجَعَلْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي حَتَّى أَقْفُلَ مِنْ غَزْوَتِي أَنْ أَسْأَلَ عَنْهَا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إِنْ وَجَدْتُهُ حَيًّا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَقَفَلْتُ فَأَهْلَلْتُ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ، ثمَّ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَأَتَيْتُ بَنِي سَالِمٍ فَإِذَا عِتْبَانُ شَيْخٌ أَعْمَى يُصَلِّي لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاَةِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أيها المستمع الكريم: في هذا الحديث بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم بنهيه لذلك الرجلِ الذي وصف مالكَ بنَ الدخشن بالنفاق أن من أظهر الإسلام؛ فلا يجوز وصفه بالنفاق، الذي حقيقته إظهار الإسلام وإبطان الكفر، والأصل إجراء الأحكام على ما ظهر من الناس، وأما سرائرهم فربنا جل جلاله هو الذي يتولاها، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه – أنه كان يقول : «إِن ناسا كانوا يُؤخَذون بالوحي في عهدِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ، وإِن الوحي قَدِ انقطع ، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أَظْهَرَ لَنَا خَيرا أَمِنَّاهُ ، وقَرَّبْنَاهُ ، وليس لنا من سَرِيرتِهِ شيء، الله يُحَاسِبُهُ في سريرته ، ومَنْ أَظْهَرَ لنا سُوءا لم نَأْمَنْهُ ، ولم نُصَدِّقه ، وإن قال: إِنَّ سريرتَه حسنة».
قال الحافظ ابن رجب(فتح الباري3/ 191): وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تقل ذلك )) نهي أن يرمي أحد بالنفاق لقرائن تظهر عليه، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجري على المنافقين أحكامَ المسلمين في الظاهر ، مع علمه بنفاق بعضهم ، فكيف بمسلم يرمى بذلك بمجرد قرينة؟وفيه : أن من رمى أحدا بنفاق ، وذكر سوء عمله ، فإنه ينبغي أن تُرد غيبته، ويذكرَ صالحُ عمله ؛ ولهذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله ، ولا يلتفت إلى قول من قال إنما يقولها تَقية ونفاقا .وإنما لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهجر مالك بن الدخشن ؛ لأنه لم يُعرف عنده بما يخشى عليهم منه النفاق، ولم يثبت ذلك ببينة) انتهى كلامه رحمه الله.
ثم أكّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا النهي بأسلوب الاستفهام، الذي يُقصد منه لفتُ النظر إلى علة هذا النهي فقال : (ألا تراه قال : لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجهَ الله عزَّ وجل)، فكأن المعنى من قال لا إله الله وجب الكف عن وصفه بما لا يجتمع معها من النفاق والكفر؛ حتى يأتي القائل بما يناقضها، ثم ذكر صلى الله عليه وسلم مآل أهل التوحيد في الآخرة في قوله: (فإن الله قد حرَّم على النار من قال : لا إله إلا الله ، يبتغي بذلك وجه الله)، فبان بالحديث حكمُ قائل كلمة التوحيد ( لا إله إلا الله) في الدنيا والآخرة.
أيها الإخوة المؤمنون: هذا الحديث الجليل يتعلق بأصل الدين، الكلمةِ الطيبة، ودعوةِ الحق، وكلمةِ التقوى، والعروةِ الوثقى، والدينِ الخالص، والكلمةِ السواء ( لا إله إلا الله)، ولعظم شأن هذه الكلمة، وكونِها أولَ أركان الإسلام، وأولَ ما يؤمر به المكلف، ولأن غيرها من الأعمال مبني عليها، والفوزَ بالجنة والنجاةَ من النار مرتب عليها، كان من المهم إيضاحُ ما يتعلق بها بما يحقق المقصود، وذلك في المسائل الآتية:
المسألة الأولى: (لا إله إلا الله) معناها لا معبود حق إلا الله؛ لأن ( لا ) النافيةَ للجنس تطلب خبرا، وخبرها محذوف، ووجب تقديره بكلمة (حق) حتى يكون موافقا لكتاب الله تعالى، وبيان ذلك أن الله تعالى ذكر الآلهة في كتابه، وقسمها قسمين:
القسم الأول: آلهة باطلة، وهي كل ما عبد من دون الله، من الملائكة والنبيين والأولياء والصالحين، والأشجارِ والأحجارِ، والإنسِ والجن.
والقسمُ الثاني: الإله الحق، وهو الله سبحانه وتعالى، الذي يجب أن يتوجه الناس كلهم له بالعبادة وحده لا شريك له، وقد قرر الله هذا المعنى أحسن تقرير وأبلَغه، في آيات كثيرة، كما قال تعالى:{فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيب} [هود: 101] وقال:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } وقال: {فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ } [الصافات: 91، 92] [الأنعام: 74] وقال: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } [الأعراف: 138 - 140] وقال جل شأنه: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } [الكهف: 14، 15] وقال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء: 98، 99] وقال:{ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُون} [المؤمنون: 117] وقال: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } [الأنعام: 19] وقال: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 42 - 44] وقال: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } [مريم: 81، 82].
فعلم بهذا أن الآلهة التي تعبد من دون الله موجودة، لكن عبادتها باطلة، وأهلها مشركون، مستحقون العذاب الشديد، وبهذا يتبين لك أيها المؤمن الكريم أن تفسير بعض الناس لا ( لا إله إلا الله ) بأنه لا موجود إلا الله، غلط ظاهر لمخالفته للقرآن العظيم، الذي أثبت وجود آلهة تعبد من دون الله، فلا يصح نفي ما أثبته الله، كما أثبت القرآن بطلانَ عبادتها، فوجب إثبات ما أثبته الله، ويؤكد هذا ويوضحه قوله تعالى في سورة الحج:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [الحج: 62] وقال في سورة لقمان: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [لقمان: 30]
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وأخذ بنواصينا للبر والتقوى، وألهمنا رشدنا، ووقانا شرور أنفسنا،والحمد لله رب العالمين.
 
([1]) ويجوز بالنصب لوقوعه بعد التمني المستفاد من ( وددت) ذكره العيني 4/168
جديد المكتبة الرقمية