الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من بهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، أما بعد
فروى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ»
ــــــــــــــــ
تقدم في الحلقة السابقة الكلام على شيء من مسائل هذا الحديث وفوائده المتعلقة بموضوع هذا البرنامج، ووقفنا عند المسألة الثالثة، فأقول مستعينا بالله:
المسألة الثالثة : إليك أيها المستمع تفسير هذه الآيةِ ـ آيةِ الكرسي ـ وقد تسمى سيدة القرآن، فأقول:   افتتح الله هذه الآية بأعلا شعب الإيمان (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) وهي تقتضي انفراده بالألوهية ، وذلك يتضمن انفراده بالربوبية ، وأن ما سواه عبدٌ له ، مفتقر إليه ، وأنه خالق ما سواه ومعبودُه ، قال سبحانه وتعالى : { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } وقال: { إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ  رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ } وقال: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } .
وجميع صفات الكمال يدل عليها قوله تعالى: (الحي القيوم)   فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمةٌ لها، وصفةَ القيومية متضمنةٌ لجميع صفات الأفعال..فالحي المطلق التام الحياة لا تفوته صفة الكمال البتة، والقيوم لا يتعذر عليه فعلُ ماأراد البتة ، ولا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه ، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت ، شهيد على كل شيء ، لا يغيب عنه شيء ، ولا يخفى عليه خافية ، قال تعالى:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } وقال سبحانه: { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} وقال جل شأنه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ }{إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } وقال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } وقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ } .
وقوله تعالى:{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه ، وتحت قهره وسلطانه ، كقوله عز شأنه :{ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } وقولِه: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }  .
وقوله سبحانه : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) يتضمن كمال قدرته وخلقه وربوبيته وغناه وصمديته ، وأن غيره لا يؤثر فيه بوجه من الوجوه ، كما يؤثر في المخلوقين من يشفع عندهم ، فيحملُهم على الفعل بعد أن لم يكونوا فاعلين ، وإنما  الشفاعة عنده بإذنه ، فهو الذي يأذن للشفيع ، وهو الذي يجعله شفيعا ، ثم يقبل شفاعته ، فلا شريك له ولا عون بوجه من الوجوه ، وهذا لعظمته وجلاله وكبريائه، وصدق الله إذ يقول: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } .
وقوله: { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات : ماضيها وحاضِرها ومستقبلِها ، فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمِها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، قال تعالى:{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } وقال: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ }. 
وقوله سبحانه : (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ) يقتضي أنه الذي يُعلّم العباد ما شاء من علمه ، وأنه لا علم لهم إلا ما علّمهم ،لا يعلم أحد شيئا إن لم يعلمه إياه، فهو سبحانه المنفرد بالتعليم كما قال تعالى : ({ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } وقال: { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.
والكرسي موضع قدمي الرب جل وعلا ، وهو يسع السماوات والأرضَ على عظمتهما وعظمةِ من فيهما ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) والعرش أكبر من الكرسي ، والرب سبحانه وتعالى مستو عليه ، عال على خالقه ، مطلع عليهم ، عليم بأحوالهم، قال تعالى: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى  وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى  اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } .
وقوله جل شأنه : (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) أي لا يشق عليه ولا يثقل ، وهذا يقتضي كمال القدرة وتمَامَها ، وأنه لا تلحقه مشقة ولا حرج في خلقه وتدبيره، كما قال سبحانه: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ }[1]وقال: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا }.
ثم ختم هذه الآية بقوله سبحانه : (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) فهو العلي بذاته فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته ، وهو { العظيم } الذي تتضاءل عند عظمته جبروتُ الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة[2].
أخي الكريم: هذه آية الكرسي ، وهذا شأنها العظيم ، تُعرفنا ربَّنا وعظمتَه وجلاله وكبرياءه ، وماله سبحانه من الكمالات المطلقة في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، فحق على العباد إخلاص الدين له ، وطاعتُه ، والاستجابُة له ، وإنزالُ حوائجهم به وحده لاشريك، قال الله تعالى: { هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وقال: {قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } .
وحق على العباد أن يسبحوه ويحمدوه ويمجدوه، قال سبحانه: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } وقال:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا  وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا }
أيها الأخ المبارك: هذه الآية من قرأ ها حين يأوي إلى فراشه لم يزل معه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان، حتى يصبح، ومن قرأها دبر كل صلاة مكتوبة، لم يحل بينه وبين دخول الجنة إلا الموت ، كما جاء ذلك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم . 
وبنهاية هذه الحلقة ينتهي الكلام على هذا الحديث، جعلنا الله هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
.
 
[1] الصفدية - (2 / 64)
[2] نفسير ابن سعدي .
جديد المكتبة الرقمية