إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
أما بعد فتقدم في الحلقة السابقة الكلام على مسألتين من مسائل الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أُسَامَةَ بْن زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لِي: يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْم. رواه البخاري ومسلم.
وفي هذه الحلقة أكمل لكم ما بدأته، فأقول:
المسألة الثالثة قوله: (أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ) ( في هذا اللومِ: تعليمٌ وإبلاغٌ في الموعظة حتى لا يُقدم أحد على قتل من تلفظ بالتوحيد، قاله ابن التين رحمه الله، وقال القرطبي رحمه الله: في تكريره ذلك والإعراضِ عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك) انتهى من (فتح الباري12/195).
قال أبو عبدالله القرطبي رحمه الله في (جامعه5/ 338): ( وَالْمُسْلِمُ إِذَا لَقِيَ الْكَافِرَ وَلَا عَهْدَ لَهُ جَازَ لَهُ قَتْلُهُ، فَإِنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ، لِأَنَّهُ قَدِ اعْتَصَمَ بِعِصَامِ الْإِسْلَامِ الْمَانِعِ مِنْ دَمِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ: فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ بِهِ. وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَتْلُ عَنْ هَؤُلَاءِ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَتَأَوَّلُوا أَنَّهُ قَالَهَا مُتَعَوِّذًا وَخَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، وَأَنَّ الْعَاصِمَ قَوْلُهَا مُطْمَئِنًّا، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ عاصم كَيْفَمَا قَالَهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ لِأُسَامَةَ: (أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا) ... أَيْ تَنْظُرُ أَصَادِقٌ هُوَ فِي قَوْلِهِ أَمْ كَاذِبٌ؟ وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُبِينَ عَنْهُ لِسَانُهُ) انتهى كلامه.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (أي من يشفع لك ومن يحاج عنك ويجادل إذا جيء بكلمة التوحيد، وقيل له: كيف قتلت من قالها وقد حصل له ذمة الإسلام وحرمته) كما قاله ابن علان رحمه الله([1]) 
وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين في المدينة الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر تدل على معاملتهم كمعاملة المسلمين لما أظهروه من الإسلام،قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله ( كتاب الإيمان ص169) : (الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن، وإن المنافقين الذين قالوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] ، هم في الظاهر مؤمنون يصلون مع المسلمين ويناكحونهم ويوارثونهم. كما كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحكم النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم بحكم الكفار المظهرين الكفرَ لا في مناكحتهم ولا في موارثتهم ولا نحوِ ذلك. بل لما مات عبد الله بن أبيّ، وهو من أشهر الناس في النفاق، ورِثه عبد الله ابنُه، وهو من خيار المؤمنين، وكذلك سائر من يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لهم وارث ورثوه مع المسلمين وإن عُلم أنه منافق في الباطن، وكذلك كانوا في الحدود والحقوقِ كسائر المسلمين، وكانوا يغزون مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومنهم من همّ بقتل النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ومع هذا ففي الظاهر تجرى عليهم أحكام أهل الإيمان....) إلى أن قال: (ولكن دماؤهمْ وأموالهم معصومة لا يَستحل منهم ( أي النبي صلى الله عليه وسلم) ما يستحله من الكفار الذين لا يظهرون أنهم مؤمنون، بل يظهرون الكفر دون الإيمان، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على اللّه "، ولما قال لأسامة ابن زيد: " أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ " قال: إنما قالها تَعَوُّذاً. قال: " هَلاَّ شَقَقْتَ عن قلبه؟ " وقال: " إني لم أومر أن أنقِّبَ عن قلوب الناس، ولا أشُقَّ بطونهم " وكان إذا استؤذن في قتل رجل يقول: " أليس يصلي، أليس يتشهد؟ " فإذا قيل له: إنه منافق، قال: " ذاك ". فكان حكمه صلى الله عليه وسلم في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم، لا يَستحل منها شيئًا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم، وفيهم من لم يكن يَعلم نفاقه،... وكان من مات منهم صلى عليه المسلمون الذين لا يعلمون أنه منافق، ومن علم أنه منافق لم يُصَلِّ عليه...) انتهى.
المسألة الرابعة: في الحديث عِظَمُ حرمةِ دم المسلم؛ ولهذا بالغ النبي صلى الله عليه وسلم في الإنكار على أسامة بن زيد رضي الله عنه مع أنه كان مجتهدا متأولا فيما صنع،  فما الظن بمن قتل مسلما متعمدا؟ لقد تظاهرت الأدلة على حرمة ذلك، وتشديدِ الوعيد على من فعله، ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [النساء: 93] وهذه الآية المعظّمة لحرمة دم المؤمن قد رتب الله فيها على قتل المسلم عمدا أربعة أمور:
أحدها: الخلود في جهنم، والمراد به طول المكث فيها، وليس عدمَ الخروج منها مطلقا؛ لأن الخلود الدائم إنما هو في حق المشركين والكفار، ولكن من يصبر على نار جهنم لحظة؟! أعاذنا الله جميعا منها.
وثانيها: غضب الله عليه، ومَنْ غضب الله عليه فقد تردّى فشقي، كما قال تعالى: { وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى } [طه: 81].
وثالثها: استحقاقه لعنة الله، وهي الإبعاد والطرد من رحمته، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا } [النساء: 52] أي نصيرا يمنع وقوع العذاب عليه ويدفعُه عنه. 
ورابعها: العذاب العظيم قال ابن جرير رحمه الله: (9/57): على قوله تعالى: {وأعد له عذابًا عظيمًا} : (وذلك ما لا يعلم قدرَ مبلغِه سواه تعالى ذكره) انتهى كلامه.
ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70]  
أي ( ومن يأت هذه الأفعال، فدعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرّم الله بغير الحق، وزنى (يَلْقَ أَثَامًا) أي يلق من عقاب الله عقوبة ونكالا كما وصفه ربنا جلّ ثناؤه، وهو أنه (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)([2]) (أَيْ: يُكَرَّرُ عَلَيْهِ وَيُغْلَّظُ، {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} أَيْ: حَقِيرًا ذَلِيلًا) قاله الحافظ ابن كثير رحمه الله.
ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [النساء: 29، 30]
أي ولا يقتلْ بعضكم بعضًا، وأنتم أهلُ ملةٍ واحدة، ودعوة واحدة، ودين واحد. فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلَّهم بعضَهم من بعض، وجعل القاتل منهم قتيلا حين قتل أخاه؛ لأن النفوس المسلمة كالنفس الواحدة، وفي ذلك بيان لشناعة هذه الجريمة؛ إذ نزّل الله قتل المسلم أخاه المسلمَ منزلة قتله نفسه، والإنسان بما طبعه الله عليه يسعى لحفظ دمه ، ولا يُقدم على إزهاق روحه، فإذا تجاوز ذلك فقتل نفسه فقد خالف ما جبل عليه الناس، وفي ذلك من النكارة الشديدة ما هو معلوم عند كل إنسان.
وفي الآية نهي ووعيد، فنهى الله عن قتل النفس بقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وتوعد فاعل ذلك بأن يدخله نارا فقال: {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} قال بعض أهل العلم قال : ونكر (نارا) تعظيما([3])  وقال أبو حيان رحمه الله (البحر المحيط3/ 613): ( وَمَدْلُولُ " نَارًا " مُطْلَقٌ، وَالْمُرَادُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- تَقْيِيدُهَا بِوَصْفِ الشِّدَّةِ، أَوْ مَا يُنَاسِبُ هَذَا الْجرْمَ الْعَظِيمَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَقَتْلِ الْأَنْفُسِ) .
أيها المستمعون الكرام يكفي المؤمنَ زجرا عن هذا الذنب العظيم أن الله قرنه بالشرك في غير ما آية من كتابه، وذكره النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في كبائر الذنوب، ففي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «اجتنبوا السبعَ الموبقات ، قيل : يا رسولَ الله ، وما هُنَّ ؟ قال : الشركُ بالله ، والسِّحْرُ ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ، وأكلُ مال اليتيم ، وأكل الرِّبا ، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» وفيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر، فقال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور) وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «أَبغضُ الناس إِلى الله ثلاثة : مُلْحِد في الحرم ، ومُبْتَغ في الإِسلام سُنة الجاهلية. ومُطّلب دَم امرئ بغير حق لِيُهْرِيقَ دَمَهُ» قال المهلب بن أبي صفرة رحمه الله: (المراد بهؤلاء الثلاثة أنهم أبغض أهل المعاصي إلى الله تعالى، فهو كقوله : أكبر الكبائر، وإلا فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي) ( الفتح12/210).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (اقتضاء الصراط 1/ 204): ( أخبر صلى الله عليه وسلم أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة وذلك ؛ لأن الفساد إما في الدين وإما في الدنيا، فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير الحق، ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر، وأما فساد الدين فنوعان : نوع يتعلق بالعمل، ونوع يتعلق بمحل العمل .فأما المتعلق بالعمل فهو ابتغاء سنة الجاهلية،  وأما ما يتعلق بمحل العمل فالإلحاد في الحرم ؛ لأن أعظم محال العمل الحرم، وانتهاك حرمة المحل المكاني أعظم من انتهاك حرمة المحل الزماني).
هذا وللحديث صلة في الحلقة القادمة بإذن الله. والحمد الله رب العالمين.
 

([1])دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (3/ 277)
 
([2])(تفسير الطبري 19/ 303)
([3])الدر المصون (3/ 664) ، البحر المحيط في التفسير (3/ 611)
جديد المكتبة الرقمية