الخرافة الصوفية في إثبات صحبة الجبل 
الحمد وحده وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد:
فقد تفوَّه الشيخ محمد الحسن الددو - هدانا الله وإياه للحق وبصّرنا به - بكلام غايةٍ في السقوط، وهو أن جبل (أحد) من الصحابة، مستشهدا بقوله ﷺ عن جبل أحد: «هذا جبل يحبنا ونحبه»!
والكلام عن ذلك من وجوه:
* الوجه الأول: لا شك في بطلان هذا الكلام؛ لأن الجبل من الجمادات ، وهي غير مكلَّفة بإجماع العلماء، فإن مناط التكليف العقل، وهي ليست كذلك، وحدُّ الصحبة الذي ذكره العلماء - باتفاق أو اختلاف - لا تدخل فيه الجمادات، والمكلَّفون هم الإنس والجن، دون الأشجار والأحجار وغيرها.
* الوجه الثَّاني: أنه لو كان الأمر كما زعم الشيخ الددو؛ لكان جبريل - عليه السلام - صحابيًا! والعلماء مجمعون على أنه ليس من الصحابة، ولا يشمله حدُّ الصحبة، فكيف بالجماد؟!
* الوجه الثَّالث: لم يذكر أحدٌ من أهل العلم ممن صنف في الصحابة أن جبل (أحد) منهم، ولم يفهم أحدٌ من أهل العلم من الحديث ما فهمه الشيخ الددو، واللوازم الباطلة على هذا القول كثيرة!! فالله المستعان.
* الوجه الرابع: المسلك الذي سلكه الشيخ الددو للوصول إلى ما تفوّه به؛ مبني على «التفسير الصوفي الباطني»، وذلك أنهم زعموا أن الجبل لا يحب رسول الله ﷺ إلا لإدراكه كمالاته، ولا يدرك كمالات النبي ﷺ إلا حي عالم عاقل، كما في كتاب «الواردات الإلهية في التفسير على الطريقة الصوفية» (2/ 139)، ونحوه ما في تفسير(روح البيان) لإسماعيل حقي الخلوتي الصوفي ـ المملوء بالتفسير الإشاري الباطني ـ  فإنه قال في (8/ 110) عن ( جبل أحد ): ( له الحياة والإدراك ، وإن كان خارجاً عن دائرة العقل الجزئي ).
  فهذه هي الطريق التي أثبت بها الددو صحبة الجبل! حين قال عن جبل (أُحد): «ونحن نوقن أنه صحابي؛ لأنه رأى رسول الله ﷺ، ولذلك أحبّه، لا يمكن أن يحبَّه ولم يره، فرائي رسول الله ﷺ مؤمنًا به، يُعتبَر صحابيًّا».
فأثبت للجبل الإيمان والرؤية، وهذه لا تكون إلا لحي عالم عاقل!! مع أن هذا ليس في الحديث، ولا بلازم لإثبات المحبة، وإنما هو من كيس المتصوفة، ولعلَّه أخذه عن الشيخ محمد متولي الشعراوي الصوفي في تفسيره (3/1739) - وفي هذا التفسير من الأخطاء العقدية، والإشارات الصوفية، والأحاديث الضعيفة والواهية، شيء كثير -؛ فقد ذكر أن بعض الصوفية حين يذكر (أُحدًا) يقول: (رضي الله عنه)، وأثبت له الصحبة بهذا الحديث!
والحاصل: أنَّ المسلك الذي انتهجه في إثبات الصحبة للجبل مسلكٌ بدعي، وليس باستنباطٍ مبنيٍّ على أصول النظر والاستدلال - كما هو معروف في كتب أصول الحديث والفقه - حتى يقال: الاجتهاد يصيب ويخطئ، ولو كان كذلك لما وقع في هذه الطامَّة الكبرى، التي لم يسبقه إليها أحد من أهل العلم.
* الوجه الخامس: لعلَّ هذا الكلام المخالف لإجماع أهل العلم عائدٌ إلى زعم المتصوِّفة أن علماء الشريعة لهم علم الظاهر (الشريعة)، والمتصوفة لهم علم الباطن (الحقيقة) الذي يتلقونه عن رسول الله ﷺ حين يجتمعون به، أو يتلقَّونه عن الله مباشرة - كما زعموا -، وهذا باب الضلال الذي عطَّلوا به شرائع الدين، وحرَّفوا به كلام الله وكلام رسول الله ﷺ، وسفَّهوا بمقتضاه سلف هذه الأمة، وأئمة الهدى، وعلماء الملَّة.
فليحذر المؤمن سلوك هذا الطريق الذي يؤول بالمرء إلى الابتداع في الدين، والخروج عن سبيل أهل السنة والجماعة، ويقمِّص الأمة لباس الخرافة والبدعة.
وعلى الشيخ الددو التوبةُ إلى الله، والرجوعُ عن تحريف حديث النبي ﷺ، والكفُّ عن هذا المسلك السيئ، وبيان بطلان ما ذكره، وعدم الترويج للمتصوفة والمبتدعة والضُّلَّال.
والرجوعُ إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، والوقوفُ بين يدي الله كائنٌ لا محالة، فلنتذكر جميعا قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281].
هذا وأسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
كتبه عبد العزيز بن محمد السعيد
6/ 10/ 1441هـ
 
جديد المكتبة الرقمية