أكمل لكم في هذه الحلقة ـ بإذن الله ـ الكلام على الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ» فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا؟ قَالَ: «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟».
ــــــــــــــــــــــ
فأقول ـ مستعينا بالله ـ : تقدم أن هذا الحديث متعلق بالقدر، وأن القدر من ربوبية الله، وأن كل شيء بقدر الله سواء في ذلك الأسباب ومسبَّبَاتها.
 وقوله صلى الله عليه وسلم: ( فمن أعدى الأول؟) استفهام يراد به نفي أن الأمراض تنتقل بطبعها، وإنما تنتقل بقدر الله تعالى، وفي هذا الاستفهام تأكيد للنفي الوارد في صدر الحديث: ( لا عدوى)، كما ورد نفي العدوى في أحاديث أخرى، ومنها حديثا ابن عمر وأنس في الصحيحين، وحديثا جابر بن عبد الله والسائب بن يزيد في صحيح مسلم.
ولمزيد من البيان حول هذه المسألة المهمة، سيكون الحديث ـ بإذن الله ـ في المسائل الآتية:
المسألة الأولى: في تعريف العدوى، قال أبو السعادات ابن الأثير رحمه الله (النهاية 3/ 192) :(العَدْوَى: اسمٌ مِنَ الإِعْدَاء، كالرَّعْوَى والبَقْوَى، مِنَ الإْرَعاء والإبْقَاء. يُقَالُ: أَعْدَاه الدَّاءُ يُعْدِيه إِعْدَاءً، وَهُوَ أَنْ يُصِيبُه مثْلُ مَا بصاحِب الدَّاءِ. وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِبَعِيرٍ جَرَب مَثَلًا فَتُتَّقَى مُخَالَطَتُه بإبلٍ أُخْرَى حِذَاراً أَنْ يَتَعَدَّى مَا بِهِ مِن الْجَرَب إِلَيْهَا فيُصِيبها مَا أصَابَه).
ويعرف في الطب الحديث بأنه انتقال الجراثيم أو المكروبات من شخص مصاب إلى شخص آخر، أو من حيوان إلى شخص، أو من حيوان إلى آخر، بطريق مباشر أو غير مباشر، من خلال الرذاذ المتطاير من أنف المريض أو فمه، أو عن طريق اللعاب، أو من خلال مخالطة المصابين، أو لمس الأسطح والأدوات الملوثة بالفيروس ثم لمس المنافذ كالعين والأنف أو استعمال أدوات المصاب بالمرض من طعام أو شراب أو ثياب أو أوان، أو عن طريق الحقن ونقل الدم، أو عن طريق لدغ الحشرات، إلى غير ذلك من أسباب انتقال المرض من المصاب إلى غيره، مما هو معروف في الطب الحديث.
المسألة الثانية:  في بيان قوله عليه الصلاة والسلام: ( فمن أعدى الأول؟)  قال الباجي رحمه الله في (شرح الموطأ 7/ 263): (هَذَا مِنْ أَبْيَنِ طُرُقِ الْحِجَاجِ وَالْإِرْشَادِ إلَى الصَّوَابِ وَإِيضَاحِ وَجْهِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ بِأَنَّ الْإِبِلَ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ وَهُوَ مَوْضِعٌ صَالِحٌ لَيْسَ فِيهِ مَا يُمْرِضُهَا؛ فَتَكُونُ فِيهِ كَالظِّبَاءِ حُسْنًا وَسَلَامَةً مِنْ الْجَرَبِ وَغَيْرِهِ، فَيَأْتِي بَعِيرٌ أَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيَشْمَلُهَا الْجَرَبُ، فَاعْتَقَدَ الْأَعْرَابِيُّ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعِيرَ قَدْ أَعْدَاهَا جَرَبُهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ كَانَ الْجَرَبُ بِالْعَدْوَى لَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ جَرِبًا؛ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ جَرَبَ هَذِهِ الْإِبِلَ بِغَيْرِ جَرَبٍ ابْتِدَاءً، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْدِيَهُ غَيْرُه،ُ أَمَا إنَّ ذَلِكَ دَخَلَ الْبَعِيرَ الَّذِي دَخَلَ بَيْنَهُمَا، أَوْ غَيْرَهُ قَبْلَهُ! وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الدَّاءُ لَحِقَ الْأَوَّلَ مِنْ غَيْرِ عَدْوَى، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَا شَمِلَ الْإِبِلَ ـ أَيْضًا ـ مِنْ الْجَرَبِ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ؛ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِقَادِ الْعَدْوَى، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ لَا خَالِقَ سِوَاهُ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ ابْتِدَاءً، وَفِي بَعْضِهَا عِنْدَ مُجَاوَرَةِ الْجَرَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ (الفتح 10/ 242) : (وهو جواب في غاية البلاغة ، وحاصله من أين جاء الجرب للذي أعدى بزعمهم، فإن أجيب من بعير آخر لزم التسلسل، أو سببٍ آخر فليفصح به، فإن أجيب بأن الذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني ثبت المدعى وهو أن الذي فعل بالجميع ذلك هو الخالق القادر على كل شيء وهو الله سبحانه وتعالى).
وقال المناوي ـ رحمه الله ـ (فيض القدير 4/ 444): ( قوله:"فمن أعدى الأول" قاله لمن استشهد على العدوى بإعداء البعير الأجرب للإبل، وهو من الأجوبة المسكتة البرهانية التي لا يمكن دفعها إذ لو جَلَبت الأدواء بعضَها لزم فقدُ الداء الأول لفقد الجالب؛ فقطع التسلسل وأحال على حقيقة التوحيد الكامل الذي لا معدل له، فهو جواب في غاية الرشاقة والبلاغة).
المسألة الثالثة: الذي ذكره طائفة من أهل العلم كالبيهقي، والبغوي، وابن الصلاح، وابن القيم، وابن مفلح، وابن رجب، وسليمان بن عبد الله، وعزاه النووي في (شرح مسلم 14/ 213) إلى جمهور العلماء، واختاره من علماء العصر أحمد شاكر، وابن باز، والألباني، وابن عثيمين ـ رحمهم الله ـ : أن نفي العدوى هنا متعلق بما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تنتقل بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لها، فيجعلون العدوى علة فاعلة مستقلة بالتأثير، وسببا حتميا ينتقل به المرض من المريض إلى الصحيح، وإنما ذكروا هذا التأويل على هذا الوجه لأنه جاء إثبات العدوى في أحاديث أخرى، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يوردنّ ممرض على مُصِحّ) متفق عليه من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ ومنها مارواه مسلم في صحيحه عن عَمْرِو بْنِ الشَّريد ـ رضي الله عنه ـ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِع).
وعلى هذا فالعدوى المنفية في الأحاديث ماكانت مجردة عن اعتقاد انتقال تأثيرها بمشيئة الله، بل بزعم أنها تنتقل بذاتها.
بهذا أيها المستمعون الكرام ينتهي الكلام على هذا الحديث، نفعني الله وإياكم بما سمعنا، ووفقنا للحق ، وجمعنا عليه، إنه سميع مجيب.
جديد المكتبة الرقمية