الحلقة الرابعة.
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
أما بعد فهذه هي الحلقة الثالثة في بيان حديث معاذ بن جبل رضي الله الذي في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم معاذا عن حق الله على العباد وحق العباد على الله، وذكرت لكم ـ أيها الأخوة المستمعون ـ  في الحلقتين السابقتين خمسة أوجه في بيان الحديث، وفي هذه الحلقة أواصل الكلام عليه فأقول:  
الوجه السادس: في معنى العبادة والشرك، وجماع ما ذكره أهل العلم في حدّ العبادة أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، يؤدّيها المكلف مع كمال الخضوع والتذلل والمحبة لله والخوف منه، وذلك شامل لفعل الأوامر، وتركِ النواهي، تقربا إلى الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( وَالْعِبَادَةُ هِيَ الْغَايَةُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ لَهَا الْعِبَادَ مِنْ جِهَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} وَبِهَا أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ، وَهِيَ اسْمٌ يَجْمَعُ كَمَالَ الْحُبِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ، وَكَمَالَ الذُّلِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ. فَالْحُبُّ الْخَلِيُّ عَنْ ذُلٍّ وَالذُّلُّ الْخَلِيُّ عَنْ حُبٍّ لَا يَكُونُ عِبَادَةً وَإِنَّمَا الْعِبَادَةُ مَا يَجْمَعَ كَمَالَ الْأَمْرَيْنِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الْعِبَادَةُ لَا تَصْلُحُ إلَّا لِلَّهِ وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهَا لِلْعَبْدِ وَاَللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ فَهِيَ لَهُ ـ أي لله ـ مِنْ جِهَةِ مَحَبَّتِهِ لَهَا وَرِضَاهُ بِهَا) ([1])انتهى كلامه.
وأما الشرك فهو تسوية غير الله بالله ، أو صرف العبادة أيًّا كانت لغير الله، وهذا هو الشرك الأكبر، كمن قصد مخلوقا يدعوه ويتضرع إليه ويهتف به ويسأله قضاء حاجاته وتفريج كرباته، ويستغيث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو يقصد أصحاب القبور يسألهم رفع حاجته إلى الله، أو مغفرة ذنوبه، ومحوَ خطاياه، وقبولَ توبته، ويقدم لهم القرابين، ويذبحها لهم، ويتقرب إليهم بالنذور، كما هو مشاهد عند الأضرحة والمقامات التي تنسب للأنبياء والعلماء والصلحاء؛ إذ يطاف بها، ويسجد لها،  ويسأل أصحابها المدد، حتى إن قائلهم يقول مخاطبا صاحب القبر: نحن جئنك مستمدين، نحن جئناك قاصدين، نحن جئناك ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا، المدد المدد يا فلان، أنا في حسبك، أنا في جاهك، ويعتقدون في بعض المخلوقين أنهم أولياء لله، والأولياء عندهم يعلمون الغيب وما في اللوح المحفوظ ولهم التصرف في الكون، فيعطون ويمنعون، ويغنون ويفقرون، ويمرضون ويصحون، ويحيون ويميتون، وجعلوا لهم ألقابا خاصة كالعارف والقطب والوتد والغوث، في صور كثيرة يتعذر وقت البرنامج الإتيان عليها.   
وأما الشرك الأصغر فهو ما جاء إطلاق الشرك عليه في النصوص أو ما ماثله، ولم يصل إلى حدّ الشرك الأكبر، كالرياء الطارئ على العمل إذا كان أصل العمل لله، كمن يصلي لله فيحسن صلاته إذا نظر إليه الناس، وكالحلف بغير الله، وقوِل: لولا الله وفلان، وقولِ: ما شاء الله وشئت،  وكلا النوعين داخل في الحديث، ويؤيده عموم قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء: 48].
الوجه السابع: ظاهر قوله: (وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا » يقتضي عدم دخولِ جميعِ من شهد الشهادتين النارَ لما فيه من التعميم والتأكيد، لكن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن الأدلة القطعية دلت على أن طائفة من عصاة المؤمنين يعذبون ثم يخرجون من النار بالشفاعة، وقد تعددت أقوال العلماء في الجواب عن الحديث، فمنهم من قال: إن ذلك مقيد بمن عمل الأعمال الصالحة، ومنهم من قال: إن المراد بتحريمه على النار تحريمُ خلوده فيها لا أصل دخولها، ومنها أن المراد النار التي أعدت للكافرين لا الطبقة التي أفردت لعصاة الموحدين، ومنهم من ذكر  أن المراد بتحريمه على النار حرمة جملته لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم كما ثبت في حديث الشفاعة أن ذلك محرم عليها، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله.([2]) 
الوجه الثامن: قوله في الحديث  (فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذُ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : ( قوله: "تأثما" هو بفتح الهمزة وتشديد المثلثة المضمومة أي خشية الوقوع في الإثم... والمراد بالإثم الحاصل من كتمان العلم، ودل صنيع معاذ على أنه عرف أن النهي عن التبشير كان على التنزيه لا على التحريم وإلا لما كان يخبر به أصلا، أو عرف أن النهي مقيد بالاتكال فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، وإذا زال القيد زال المقيَّد، والأول أوجه لكونه أخّر ذلك إلى وقت موته).
أيها الأخوة الكرام : إن هذا الحديث العظيم يقرر أعظم حق على الإنسان وهو حق خالقه ومصوره ورازقه ومدبر أمره، فمن لم يعرف هذا الحق ويعمل به كان من الهالكين ، وما أعظم كيد الشيطان بابن آدم إذا لم يستمسك بالوحي ، وما أضل عقل ابن آدم حين لايتبع المنزل من عند الله ، فأنت ترى من يحمل الشهادات العليا ، أوبلغ شأوا عظيما في إدارة التجارات والمصانع  والمؤسسات ، أو كان على درجة عالية من الفطنة والذكاء والقدرة على التحليل والاستنتاج ، ومع هذا كله يسلم عقله وإرادته حتى يكون الذي يديره جثة هامدة، أو مخلوق مثله ـ يمرض كما يمرض ويموت، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ـ أويتعلق ويعلق قلبه بخيط أو خشبة أو خرقة ، فمن كان كذلك فليبك على نفسه ، وليعلم أنما مثله  كمثل أولئك الذين يعبدون الأصنام ، فيصنعون آلهتهم بأيديهم من تمر أو طين ، أو حجارة أوخشب ، فإذا جاعوا أكلوها ، وإذا احتاجوا إلى مأوى بنوا بها وسقفوا ، وهذا هو الضلال بعينه {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)} [الحج: 73، 74].
وبهذا يتم الكلام على الحديث، جعلنا الله هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، والحمد لله رب العالمين.
 

([1])مجموع الفتاوى (10/ 19)
 
([2])فتح الباري لابن حجر (1/ 226)
 
جديد المكتبة الرقمية